لقد اختلف أسلوب قادة قريش هنا تمامًا عن أسلوبها السابق في مخاطبة أبي طالب، حيث أصبحت اللهجة هنا شديدة ممزوجة بالتهديد والتحذير من مغبة هذا التأييد والحماية لمحمد صلى الله عليه و سلم، فبات موقف أبي طالب صعبًا، فقد وضعته قيادة قريش أمام خيارين لا ثالث لهما، كلاهما مُر، مما جعل أبا طالب يرسل إلى ابن أخيه بخلاف المرة السابقة، التي لم يكن فيها أسلوب قريش بهذه الحدة والشدة.
ويبدو أن قيادة قريش استطاعت أن تؤثر نفسيًا ومعنويًا على أبي طالب، بدليل أنه قال لسيدنا محمد صلى الله عليه و سلم: (فأبقِ عليَّ وعلى نفسك، ولا تحملني من الأمر مالا أطيق) ، فهذا مما ينبئ بالحالة النفسية التي وصل إليها أبو طالب من جراء تهديد قريش له، ولكن الموقف الثابت الصلب الصلد من النبي صلى الله عليه و سلم ورده الحاسم: (والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري، على أن أترك هذا الأمر، حتى يظهره الله، أو أهلك دونه، ما تركته) ، وضع هذا الرد الأمور في نصابها .. وهذا الرد قمة في الحكمة، إذ وضع النقاط على الحروف، وخط خطًا فاصلًا وجسرًا منيعًا بين المضي في طريق الدعوة حتى النهاية، وبين التراجع أو التنازل والتخاذل، مما كان له أكبر الأثر على أبي طالب، الذي حسم موقفه وتخلص من الخوف والتردد الذي أصابه من جراء تهديد قريش، وجزم ألا يُسلم الرسول صلى الله عليه و سلم.
وكان من نتائج موقف النبي صلى الله عليه و سلم، وعمه أبي طالب، أن تحققت قريش من أن أبا طالب قد أبى خذلان رسول الله صلى الله عليه و سلم، وأنه أجمع على فراقهم في ذلك، لذا مشوا إليه مرة ثالثة بعرض تفاوضي آخر، فأحضروا معهم هذه المرة عمارة بن الوليد. فقالوا: يا أبا طالب هذا عمارة بن الوليد أنهد فتى في قريش، وأجمله، فخذه فلك عقله ونصره واتخذه ولدًا فهو لك، وأسلم إلينا ابن أخيك هذا، الذي خالف دينك ودين آبائك، وفرّق جماعة قومك، وسفَّه أحلامهم، فنقتله فإنما هو رجل برجل، فقال: والله بئس ما تسومونني، أتعطوني ابنكم أغذوه لكم، وأعطيكم ابني تقتلونه؟ هذا والله ما لا يكون أبدًا [1] .
إنه أسلوب آخر تستخدمه طغمة الكفر مع أبي طالب، وهو يختلف عن سابقيه، حيث طُرح فيه عرض تَمَثَّلَ في عمارة بن الوليد، الذي قدموه بطريقة فيها شيء من الذكاء، إذ أثنوا على عمارة بما يُرغِّب فيه، ثم طلبوا من أبي طالب مبادلته بابن أخيه، الذي وصفوه بصفات تزهد فيه، حين قالوا: خالف دينك ودين آبائك، وفرّق جماعة قومك .. وصفوه بذلك ليبرروا قتل الرسول صلى الله عليه و سلم، وهم لم يقولوا: أعطنا ابن أخيك لنقتله، بل قدموا هذه التبريرات كي تكون تعليلًا لقتله.
ولكن فات قريشًا، على الرغم من ذكائها وعرضها المتوازن ماديًا، والمختل عاطفيًا وعقليًا، فات عليها ما أدركه أبو طالب، حين قال لهم: والله لبئس ما تسومونني به، أتعطوني ابنكم أغذوه لكم، وأعطيكم ابني تقتلونه؟ فهذا بالطبع مالا يقبله عاقل منصف، وهو ما فات على قريش أن تدركه، فخاب سعيهم ولم يظفروا بشيء.
(1) - السيرة النبوية لابن هشام، ج 1 ص 267.