ـ إقدام قريش على المفاوضات المباشرة:
بعد إخفاق قيادة قريش في المفاوضات غير المباشرة، اتجهت نحو المفاوضات المباشرة مع النبي صلى الله عليه و سلم، وذلك عقب اجتماع ضم أربعة عشر فردًا من قادة معسكر الشرك، وهم: عتبة وشيبة ابنا ربيعة، وأبو سفيان، والنضر بن الحارث، وأبو البختري بن هشام، والأسود بن المطلب، وزمعة بن الأسود، والوليد بن المغيرة، وأبو جهل بن هشام، وعبد الله ابن أمية، والعاص بن وائل، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج، وأمية بن خلف [1] .
ويلاحظ على هؤلاء النفر أنهم من أشراف قريش وكبرائها، وهم من ألد خصوم الدعوة، ويجمع هؤلاء جميعًا هَمُّ القضاء على الدعوة في مهدها، فتبادلوا الآراء، وتشاوروا في الأمر، حتى خلص عتبة إلى قوله: يا معشر قريش! ألا أقوم لمحمد، فأكلمه، وأعرض عليه أمورًا، عله يقبل بعضها، فنعطه إياها فيكف عنا! فأجابه الحضور: يا أبا الوليد، قم إليه فكلمه.
فذهب إلى الرسول صلى الله عليه و سلم، وهو يصلي في المسجد، فقال: يا ابن أخي، إنك منا حيث قد علمت، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم، فرَّقت به جماعتهم، وسفهت أحلامهم، وعبت به آلهتهم ودينهم، وكفّرت به من مضى من آبائهم، فاسمع مني، أعرض عليك أمورًا، تنظر فيها، لعلك تقبل منها بعضها، فقال عليه الصلاة والسلام: (قل يا أبا الوليد، أسمع) . قال: يا ابن أخي! إن كنت تريد بما جئت به من هذا الأمر مالًا، جمعنا لك من أموالنا، حتى تكون أكثرنا مالًا، وإن كنت تريد شرفًا سوَّدناك علينا حتى لا نقطع أمرًا دونك، وإن كنت تريد ملكًا ملكناك علينا، وإن كان الذي يأتيك رئيًا من الجن لا تستطيع رده عن نفسك، طلبنا لك الطب، وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يُداوى.
فلما فرغ عتبة، قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: (أقد فرغت يا أبا الوليد؟) قال: نعم. قال: (فاسمع مني) . قال: أفعل. فقرأ رسول الله صلى الله عليه و سلم آيات من أول سورة فصلت إلى السجدة. فلما سمع عنه عتبة أنصت لها، وألقى يديه خلف ظهره معتمدًا عليها، يسمع منه، فلما انتهى رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى السجدة منها سجد، ثم قال: (قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت، فأنت وذلك) [2] .
وفي رواية، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه و سلم: (ما بي ما تقولون، ما جئت بما جئتكم به أطلب أموالكم، ولا الشرف فيكم، ولا الملك عليكم، ولكن الله بعثني إليكم رسولًا، وأنزل عليَّ كتابًا، وأمرني أن أكون لكم بشيرًا ونذيرًا، فبلغتكم رسالة ربي، ونصحتُ لكم، فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم من الدنيا والآخرة، وإن تردوه عليَّ أصبر لأمر الله، حتى يحكم الله بيني وبينكم) [3] .
(1) - المرجع السابق، ص 295.
(2) - السيرة النبوية لابن هشام، ج 1 ص 293 - 294.
(3) - فقه السيرة للبوطي، ص 111 - 112.