فقام عتبة إلى أصحابه، فقال بعضهم لبعض، يحلف بالله: لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به. فلما جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال: ورائي أني قد سمعتُ قولًا، والله ما سمعتُ مثله قطُّ، والله ما هو بالشعر، ولا بالسحر، ولا بالكهانة .. يا معشر قريش! أطيعوني، فاجعلوها بي، خلوا بين الرجل وبين ما هو فيه، فاعتزلوه، فوالله ليكونن لكلامه الذي سمعتُ نبأ، فإن تصبه العرب كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فعزه عزكم. فقالوا: لقد سحرك محمد. قال: هذا رأيي فيه فاصنعوا ما بدا لكم [1] .
يُظهر الحوار الذي دار بين الرسول صلى الله عليه و سلم، وعتبة بن ربيعة، ذكاء مندوب قيادة قريش، حين استخدم الأسلوب العاطفي مع النبي صلى الله عليه و سلم، فخاطبه بقوله: (يا ابن أخي! إنك منا حيث قد علمت) . وقوله: (قومك) . ثم كرر: (ابن أخي) مرة أخرى، وربما قصد من الأسلوب العاطفي، التأثير على النبي صلى الله عليه و سلم، عله يستجيب لهم، أو على الأقل يفكر في الأمر.
ولإحكام العرض، نوّعت قيادة قريش الخيارات للمصطفى صلى الله عليه و سلم، من مال، وسيادة، وملك، وهي المطالب التي عادة ما يمكن أن يضمرها أصحاب الدعوات الجديدة، والمنادون بالثورة والإصلاح .. فظنت قيادة قريش أن هدف محمد صلى الله عليه و سلم من دعوته هذه، لا يخلو من أحد العروض آنفة الذكر. ولكن فات على قريش جوهر وحقيقة دعوة الإسلام، المغايرة لسائر الدعوات الوضعية، فهي مرتبطة بالسماء، غايتها وأهدافها سامية، لذا كان الرد قاطعا وحاسمًا من قائد الدعوة: (ما بي ما تقولون، ما جئت بما جئتكم به أطلب أموالكم، ولا الشرف فيكم، ولا الملك عليكم ... ) ، إنما هدفه وغايته إخراج الناس من الظلمات إلى النور.
ـ تعقيب:
ربما تساءل بعض الناس: لماذا لم يرض رسول صلى الله عليه و سلم من باب الحكمة والسياسة الزعامة، أو الملك، على أن يقرر في نفسه اتخاذ الملك والزعامة وسيلة إلى تحقيق دعوة الإسلام فيما بعد، خصوصًا وأن للسلطان والملك تأثيرًا قويًا في النفوس؟ ولعل الإجابة تكمن في أن النبي صلى الله عليه و سلم لم يرض سلوك هذه السياسة والوسيلة إلى دعوته، لأن ذلك ينافي مبادئ الدعوة نفسها، ولأن المساومة كانت للعدول عن الدعوة، وفي الإسلام الغاية لا تبرر الوسيلة، فالله سبحانه وتعالى تعبَّدَنَا بالوسائل كما تعبَّدَنا بالغايات، فليس لأحد أن يسلك إلى الغاية التي شرعها الله، إلا بالوسيلة السليمة الخالصة القاصدة التي شرعها الله، قال تعالى: (فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملًا صالحًا ولا يشرك بعبادة ربه أحدًا) (الكهف: 110) .
وهذا مبدأ هام من مبادئ الإسلام .. فإذا كانت بعض المواقف في الشدة والمحنة، تحتاج إلى مداراة، فعلى المسلم أن يكون حذرًا في ذلك، غير متجاوز حدود الشرع.
(1) - انظر البداية والنهاية، ج 3 ص 48.