ونلاحظ أيضًا حكمة النبي صلى الله عليه و سلم في الرد على عُتبة حين تخير هذه الآيات من سورة فصلت، ليعرف محدثه حقيقة الرسالة، والرسول صلى الله عليه و سلم، وكتاب الدعوة الذي فصلت آياته من لدن حكيم خبير إلى خلقه، كي يخرجهم من الظلمات إلى النور، ويهديهم من ضلال، وينقذهم من خبال [1] .. فكان لهذا الاختيار أثره البالغ على مندوب قريش، حتى طلب من النبي صلى الله عليه و سلم التوقف، ناشدًا إياه بحق الرحم.
ولا يخفى ما في ذلك من جانب مهم، يتمثل في التأثير على العدو، ومحاولة إقناعه، وتغيير أفكاره، وقد كان التأثير على عتبة واضحًا لدرجة أن أصحابه أقسموا على ذلك التأثير قبل أن يخبرهم، فبعد أن كان عدوًا ينوي استئصال الدعوة والداعية، إذا به يدعو لعكس ذلك، فيطلب من قريش أن تخلي بين محمد صلى الله عليه و سلم وما يريد.
ـ قريش تساوم على التنازل عن بعض الإسلام:
لما تأكد لقريش عدم جدوى المفاوضات السابقة في التنازل عن كل المنهج، لجأت إلى أسلوب آخر من المفاوضات، يقوم على طلب بعض التنازلات عن المنهج الإسلامي. فقام وفد من قيادة قريش، يتكون من الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، والأسود بن عبد المطلب، وأمية ابن خلف، قاموا بتقديم عرض لرسول الله صلى الله عليه و سلم يتمثل في أن يعبد آلهتهم عامًا ويعبدون إلهه عامًا. فقال: (معاذ الله أن أشرك به غيره) ، فأنزل الله سورة (الكافرون) [2] .
وجاء وفد آخر بعد فشل الوفد السابق، يتكون من عبد الله بن أبي أمية، والوليد بن المغيرة، ومكرز بن حفص، وعمرو بن عبد الله ابن أبي قيس، والعاص بن عامر [3] ، جاء ليقدم عرضًا آخر للتنازل عن بعض ما في القرآن، فطلبوا من النبي صلى الله عليه و سلم أن ينزع من القرآن ما يغيظهم من ذم آلهتهم، فأنزل الله لهم جوابًا حاسمًا، قال تعالى: (وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إليّ إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم) (يونس: 15) .
هاتان الحادثتان، تظهران مدى الإخفاق الذي مُنيت به قيادة قريش في عدم حصولها على التنازل الكلي عن الإسلام، الأمر الذي جعلها تلجأ إلى طلب الحصول على شيء من التنازل، لعل ذلك يساعدها مستقبلًا في الحصول على تنازل آخر، حتى يتحقق لها التنازل التام شيئًا فشيئًا. ولكن فات قريشًا أن الإسلام كلٌّ لا
(1) - انظر فقه السيرة للغزالين ص 116.
(2) - انظر أسباب النزول، للواحدي، ص 343.
(3) - أسباب النزول، للواحدي، ص 200، ونور اليقين للخضري، ص 61.