فهرس الكتاب

الصفحة 56 من 100

فقد يُقنع المسلمون بعضَ أهل الصحيفة بخطأ ما هم عليه، لأن المسلمين يملكون من الحق والأدلة ما يمكن أن يقنعوا بها سواهم .. وحتى لا يتم ذلك، نصت الصحيفة على عدم المجالسة، والمخالطة، والكلام.

وقولهم: (لا يدخلوا بيوتهم) ، بند لا يختلف عمَّا سبقه، لأن دخول البيوت يحرك الجوانب الإنسانية في النفس، فالإنسان عندما يرى بيتًا يخلو من أبسط مقومات الحياة، وأصاب أهله الجوع والعري والمرض، ليس لذنب سوى أنهم اختاروا دينًا غير دين قريش، لا شك أن العاطفة تتحرك عنده، ويحاول رفع هذا الظلم، وتلك المعاناة .. وحتى لا تقع قيادة قريش في مثل هذا الموقف، نصت على عدم دخول البيوت.

وتعليق الصحيفة في الكعبة، يعطيها قدسية، ويجعل بنودها تأخذ طابع القداسة، التي يجب التقيد والالتزام بها، فالعرب قاطبة تقدس الكعبة، وتضع لها مكانًا ساميًا من الحرمة والقدسية، لذا عمدت قريش إلى تعليق الصحيفة داخل الكعبة.

موقف المسلمين من الحصار:

لم تحقق المقاطعة مع هذا الإحكام المتقن، والتنفيذ الدقيق، طوال السنوات الثلاث، الغاية التي من أجلها وضعت، وذلك لصلابة المسلمين في الحق، وعدم تنازلهم عنه مهما كانت الأسباب والنتائج، مما فوت على قريش الفرصة في الظفر بتسليم محمد صلى الله عليه و سلم لقتله، وقد كان للصبر والثبات الذي واجه به المسلمون الحصار، أثر عظيم في توهين المشركين، الذين بدأوا ينقسمون على أنفسهم، ويتساءلون عن صواب ما فعلوا، وشرع فريق منهم يعمل على إبطال هذه المقاطعة، ونقض الصحيفة التي حوت بنود المقاطعة [1] .

وقد أفاد الصحابة رضي الله عنهم من ذلك الحصار عفة ونقاءً وإخلاصًا، فلما خرجوا فاتحين، كانت دوافع العقيدة وأهدافها هي التي تشغل بالهم، قبل الفتح وبعده، فلم يكترثوا لذهب أو فضة، إنما عناهم إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر [2] .

كما أن المقاطعة لم تؤثر على قيام المسلمين بأمر الدعوة وعرضها على كل وفد، فإن الاضطهاد لا يقتل الدعوات، بل يزيد جذورها عمقًا وفروعها امتدادًا. وقد كسب الإسلام أنصارًا كثيرين في هذه الفترة [3] .

ونخرج من هذا بأن كل بلد مسلم في أي وقت، يود تطبيق شرع الله، عليه أن يضع في حسبانه احتمالات الحصار والمقاطعة من أهل الباطل، فأحفاد قريش من أهل الكفر مستمرون، ويتحكمون في كثير من مقدرات الأمم الأخرى، وعلى الدعاة تهيئة أنفسهم وأتباعهم لمثل هذه الظروف، وعليهم وضع الحلول المناسبة لها، إذا

(1) - وأول من أبلى في ذلك بلاء حسنا هشام بن عمرو الذي سانده زهير بن أمية، والمطعم بن عدي، وأبو البختري بن هشام، وزمعة بن الأسود. انظر السيرة النبوية لابن هشام، ج 1 ص 375.

(2) - فقه السيرة للغزالي، ص 129.

(3) - المرجع السابق، ص 130.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت