ولكن لم تكتف قريش بهذا الرد، وإنما واصلت قيادتها أسلوبها الجدلي التعجيزي فكان ردهم: (فإذا لم تفعل هذا لنا، فخذ لنفسك، سل ربك أن يبعث معك ملكًا يصدقك بما تقول، ويراجعنا عنك، وسله فليجعل لك جنانًا وقصورًا، وكنوزًا من ذهب وفضة، يغنيك بها عما نراك تبتغي، فإنك تقوم بالأسواق كما نقوم، وتلتمس المعاش كما نلتمسه، حتى نعرف فضلك، ومنزلتك من ربك، إن كنت رسولًا كما تزعم) . قال لهم رسول الله صلى الله عليه و سلم: (ما أنا بفاعل، وما أنا بالذي يسأل ربه هذا) . قالوا: (فأسقط علينا كسفًا كما زعمت أن ربك إن شاء فعل، فإنا لا نؤمن لك إلا أن تفعل) وقال بعضهم: لن نؤمن لك حتى تأتينا بالله والملائكة قبيلًا [1] .
لقد ظهر بوضوح تام تعنت واستهزاء قيادة قريش من خلال طرحها لطلباتها، حيث خرجت من الطلبات الخاصة بها إلى أشياء تتعلق بالرسول صلى الله عليه و سلم، وهو أمر لا يخص قريشًا في شيء، وليس من لب محل النزاع، وموضع الخلاف، الأمر الذي يؤكد أن الغرض والهدف من تلك الطلبات هو التعنت والاستهزاء، لا الوصول إلى الحق، لذا تولى الله الرد على طلباتهم تلك، فقال جل شأنه: (وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرًا ـ أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلًا مسحورًاـ انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلًاـ تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرًا من ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار ويجعل لك قصورًا) (الفرقان: 7 - 10) [2] .
المطلب الرابع: حصار قريش وموقف المسلمين منه
بعد الفشل الذريع الذي مُنيت به قريش، حيث الحرب النفسية لم تكبح جماح الدعوة، ولم تفلح الاضطهادات في إيقاف تقدمها، ولم تثمر المفاوضات عن شيء .. بعد كل ذلك، أقدمت سادة قريش على استخدام أسلوب آخر، إذ اجتمعوا في حيف بني كنانة من وادي المحصب [3] ، وائتمروا بينهم أن يكتبوا كتابًا يتعاقدون فيه على مقاطعة بني هاشم، وبني عبد المطلب، على أن لا ينكحوا إليهم ولا ينكحوهم، ولا يبيعوهم شيئًا، ولا يبتاعوا منهم، ولا يدعوا سببًا من أسباب الرزق يصل إليهم، ولا يقبلوا منهم صلحا، ولا تأخذهم بهم رأفة، ولا يخالطوهم، ولا يجالسوهم، ولا يكلموهم، ولا يدخلوا بيوتهم، حتى يسلموا إليهم رسول الله للقتل، ثم تعاهدوا وتواثقوا على ذلك، ثم علقوا الصحيفة في جوف الكعبة توكيدًا على أنفسهم [4] .
(1) - السيرة النبوية لابن هشام، ج 1 ص 297.
(2) - أسباب النزول، للواحدي، ص 222.
(3) - المحصب: وادي من أودية مكة.
(4) - انظر السيرة النبوية لابن هشام، ج 1 ص 350، والرحيق المختوم لصفي الرحمن، ص 128. والكامل في التاريخ لابن الأثير، ج 2 ص 87، وزاد المعاد لابن القيم، ج 2 ص 46، المطبعة المصرية، الطبعة الأولى، وفقه السيرة للبوطي، ص 118، وفقه السيرة للغزالي، ص 126.