فالمتأمل في النقاط الثلاث سالفة الذكر، يجد أنها عبارة عن إغراءات مادية غير مباشرة .. وبنظرة فاحصة للعالم الإسلامي اليوم، نجد أن هذه النقاط تُنفذ وإلى حد كبير على أرض الواقع، فقد ألهت المناصب العليا بعض الدعاة، واستهلكت بعض الدول العربية الغنية جمًا غفيرًا من الدعاة، وألهت التجارة بعضهم.
ـ لجوء قريش إلى عروض تعجيزية:
لم تعتبر قريش بالإخفاق الذي لازمها في جميع المفاوضات، المباشرة وغير المباشرة، بأساليبها المتباينة، بل عمدت إلى استخدام عروض تعجيزية، كعامل آخر من عوامل الضغط على قائد الدعوة، لتحقق بذلك تأثيرًا معنويًا عليه، وفي حالة عدم تحققها تكون قريش قد حفظت ماء وجهها، وفي الوقت ذاته تستخدم ذلك سلاحًا دعائيًا ضد الدعوة، وقائدها، فتشيع أن محمدًا صلى الله عليه و سلم، عجز عن تلبية طلباتهم، ولا يخفى ما في ذلك من أثر على عوام الناس.
ومما قالوا له: (يا محمد! فإن كنت غير قابل منا شيئًا مما عرضناه عليك، فإنك قد علمت أنه ليس من الناس أحد أضيق بلدًا، ولا أقل ماءً، ولا أشد عيشًا منا، فسل لنا ربك الذي بعثك بما بعثك به، فيسير عنا هذه الجبال التي ضيقت علينا، وليبسط لنا بلادنا، وليفجر لنا فيها أنهارًا كأنهار الشام والعراق، وليبعث لنا من مضى من آبائنا، وليكن فيمن يبعث لنا منهم قصي بن كلاب، فإنه شيخ صدق، فنسأله عما تقول، أحق هو أم باطل؟ فإن صدقوك وصنعت ما سألناك صدّقناك، وعرفنا به منزلتك من الله، وأنه بعثك رسولًا كما تقول) .
فقال لهم صلى الله عليه و سلم: (ما بهذا بُعثت إليكم، إنما جئتكم من الله بما بعثني به، وقد بلغتكم ما أُرسلتُ به إليكم، فإن تقبلوه فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه عليّ أصبر لأمر الله، حتى يحكم بيني وبينكم) [1] .
لقد غيَّرت قريش أسلوبها في المفاوضات، ولجأت إلى هذا النوع من الطلبات، التي تعلم هي قبل غيرها أن الغرض منها ليس الوصول إلى الحقيقة بقدر ما هي مناورةٌ، القصد منها المجادلة، حيث تضمنت هذه الطلبات شروطًا غير ممكنة التحقيق، وحددت أشخاصًا ماتوا، وربطت إيمانها وتصديقها بإيمان وتصديق أولئك الأموات .. فكل ذلك يدل على تعنتهم واستهزائهم، وأنهم ما طلبوها على وجه الاسترشاد ودفع الشك، قال تعالى: (ولو فتحنا عليهم بابًا من السماء فظلوا فيه يعرجون ـ لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون) (الحجر: 14 - 15) .
لذا بين لهم الرسول صلى الله عليه و سلم أن هذه الطلبات ليس لها صلة بما أرسل به، وأنها خروج عن محل النزاع، ورأى أن الخوض فيها مضيعة للوقت، وأن أي محاورة أو مجادلة حول هذه الطلبات تُعطي قريشًا ثغرة ربما تحصل من خلالها على ما تريد، ومنعًا لهذا الجدال كان رد الرسول صلى الله عليه و سلم واضحًا وحاسمًا: (ما بهذا بُعثت إليكم) .
(1) - انظر السيرة النبوية لابن هشام، ج 1 ص 296، والرسول صلى الله عليه وسلمن سعيد حوى، ص 96.