قام فيها الصَّباحُ بعد المساءِ ... فبنى فوقها حصون الضياءِ
وأدار السِّياج حول رُباها ... فحماها من سَطْوةِ الدُّخلاءِ
ودعا نحوها السَّحاب فأعطى ... ماءه صافيًا بدون غثاءِ
وَحَبا الأمن للعصافير حتى ... أمتعتْ روضَها بشدو الصفاءِ
لم يدعْها في غَيْهب الليل، لكنْ ... سكب النورَ فوقَها من حراءِ
ودعاها إلى الشموخ فسارتْ ... تتسامى بخاتم الأنبياءِ
لم يكنْ صوتُه سوى صوتِ حقّ ... أسمع الغافلينَ أحلى نداءِ
حينَها ازدانتِ الجبالُ وأحيا ... صوته العَذْبُ بَهْجَةَ الصحراءِ
حينَها صارت العقيدةُ أُمًا ... وأبًا للعبيد والضعفاءِ
دارت الأرضُ دورةً أيقظتْها ... من سُباتِ الجهالةِ الجَهْلاءِ
واستدار التاريخُ لما رآنا ... ننقش النور في يدِ الجوزاءِ
وانتشى المجدُ حين أصغى إلينا ... نتحاكى بقصَّةِ الإسراءِ
كبرياءُ الطُّغاةِ ماتت لأنا ... قد سجدنا لصاحب الكبرياءِ
ولأنَّ القرآن نبعُ يقينٍ ... ترتوي منه أنفسُ الأتقياءِ
حين تُتلى آياته يَتجلَّى ... كلُّ معنىً من التُّقى والنَّقاءِ
تلتقي الأرضُ بالسماءِ لقاءً ... لم تَر الأرضُ مثلَه من لقاءِ
رفع الناس من عبادةِ صخرِ ... وترابٍ إلى مقام السَّماءِ
خرجوا من براثنِ الكفر لمَّا ... بَدَأ المصطفى بكشف الغطاءِ
نشر الحبَّ فوقهم فاستظلُّوا ... واستراحوا من قَسْوة الرَّمضاءِ
واستلذُّوا البلاءَ فيه احتسابًا ... إنَّ في الحقِّ لذَّةً للبلاءِ
مََنْ أبو جهلَ، مَنْ أميَّةُ إلاَّ ... أنفسٌ غُذِّيت بشرِّ غذاءِ
صنعوا تمرَهم إلهًا أراقوا ... عند رجليه دمعةَ استجداءِ
ثمَّ جاعوا فحوَّلوه طعامًا ... فتأمَّل عبادةَ الأهواءِ
إنَّه الكفرُ يجعل الحرَّ عبدًا ... ويُريه الأَمام مثلَ الوراءِ
نفحة من بستان الوحي