الصفحة 9 من 21

ويرسم الأخطل لزفر بن الحارث الكلابي صورة ترتاد الحركة في جوانبها، وذلك حينما هرب من ساحة المعركة على فرس كثير الجري، سهل المعطف، وقد بلغ به الرعب مبلغًا جعله لا يلتفت إلاّ من بعيد، ولا ينظر إلاّ بطرف خفي، مما دفعه إلى سعي حثيث ليحمل فرسه على العَدْو حملًا يُخيّل للناظر انه يستطير من سرعة الجري، ولو أمكن قوم الأخطل من اللحاق به لقتلوه، فظلت النِسار تحوم حوله تأكل جثته، وهذه الصورة تظهر بوضوح في الأبيات الآتية:

لعمر أبيك و الأنباءُ تُنمى ... لقد نجّاك يا زُفرُ الفرارُ

وركضُكَ غيرُ ملتفتٍ إلينا ... بِخوّارٍ وقد عرِق العِذارُ

املتَ به شمالك من بعيدٍ ... يكاد من الفراغة يستطارُ

أما وابيك لو امكنتَ قومي ... لظلّ على جناحيك النِسارُ [1]

وهذا جرير يصور نساء تغلب يوم الرحوب في صور هجائية لاذعة تموج بالاضطراب وتكتظ بالحركة في قوله:

ترك الفوارسُ من سُليمٍ نسوةً ... عُجُلًا لهنّ على الرحوب عويلُ

إذ ظلّ يحسب كل شخصٍ فارسًا ... ويرى نعامة شخصه فيجولُ

رقصتْ بعاجنة الرحوب نساؤكم ... رقصَ الِّرئال وما لهن ذُيولُ [2]

لقد رصد الشاعر بدقة حركة الواله من النساء في مجيئها وذهابها فزعةً بقوله (( عُجُلًا ) )ثم زاد من جمالية الصورة عندما أضاف إليها عنصرًا صوتيًا متمثلًا برفع الصوت بالبكاء والصياح في (( عويل ) )إذ الموقف المتأزم يستدعي تجاوب الأصوات مع الأفعال، فالخوف بادٍ على القلوب والرعب يستبدّ بالنفوس، حيث يذعر التغلبي من ظله وسواده ظنًا انه فارس مقدام قام على رأسه، وتخرج النساء هارباتٍ مسرعات كالنعام لا يوارين اسوقهن، والرقص المنسوب إلى نساء بني تغلب في البيت الأخير يضفي على الصورة استمرارية في الحركة خوفًا من أخذهنّ سبايا، لذا يقرنها بالحركة السريعة التي يمتلكها فراخ النعام في العَدْو.

وحين يسخر جرير من رهط الأخطل ينظر إلى قتلاهم في الفلا فيجدهم أشبه بالجزر الذي يتبارى السباع في عجلٍ على أكل لحومها، أما المهزومون من القوم، وقد تساقط بعضهم في اِثر بعض، فاستحالت صورتهم في ذهن الشاعر إلى صورة تساقط الدويبات التي تكثر في الإبل في الصيف إذا كانت ترعى بلدًا وخيمًا، والحركة المتتالية التي تُلحظ في منظر تساقط القِردان في الإبل هي المقصودة في الصورة الهجائية، لأنها تشعر بضعف الخصم وتشير إلى الخوف العالق بالنفوس حين تشتدّ المواقف في القتال، ويكشف عن هذه الصورة الحركية قول جرير:

فتُرِكتُمُ جَزَر السباع وفلُّكُمْ ... يساقطون تساقُط الحَمْنانِ [3]

3 -الصور النموذجية:

(1) - شعر الأخطل: 2/ 476، ونقائض جرير والأخطل: 130، كان زفر بن الحرث الكلابي مع الضحاك ضد مروان بن الحكم يوم مرج راهط وفرّ بعد ان هزمت القيسية وقتل الضحاك.

(2) - ديوان جرير: 1/ 98،102، ونقائض جرير والأخطل: 186، يوم الرحوب: كان هذا بين قيس وتغلب سنة ثلاث وسبعين للهجرة في موضع قريب من نهر الفرات يدعى (عاجنة الرحوب) وانتصرت قيس على تغلب في هذا اليوم، الرئال: فراخ النعام.

(3) - ديوان جرير: 2/ 1014، ونقائض جرير والأخطل: 209.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت