الصفحة 10 من 21

ونقصد بها الصور التي"تتخطى حدود الحواس وتصل إلى أعماق النفس والعقل، حيث يحتفظ اللاوعي الجمعي هناك بنماذج انحدرت إليه من موروثات دينية وقومية" [1] .

فمن الصور النموذجية عند جرير الصورة التي يقارن فيها بين ما حلَّ ببني تغلب من الدمار والهلاك في إحدى الوقعات المشهورة، وهي وقعة ذي بهدى، وبين ما نزل بقوم عاد في الأحقاف، حيث أرسل الله عليهم ريحًا عقيمًا - أي لا تنشيء سحابًا ولا شجرًا - في أيام متتابعة حتى جعلتهم كالرميم:

كانت بنو تغلب لا يعْلُ جدُّهم ... كالمهلكين بذي الأحقاف إذ دَمَروا

صُبَّتْ عليهم عقيمٌ ما تناظرهم ... حتى أصابهم بالحاصب القدرُ [2]

ولا يخفى ما في لفظة (( صُبَّت ) )- بقيمتها الإستعارية و بنائها للمجهول - من دلالة تهويل العذاب وتصويره على نحو شديد، وكأنما تُراق الريح عليهم مثل أبواب القِرب المفتحة في الكثرة وقوة الدفع.

ومثلها هذه الصورة الهجائية التي يستمدّ معالمها من مناسك الحج:

وكأنَّ عافية النسور عليهِمِ ... حِجٌّ بأسفلَ ذي المجاز نزولُ [3]

يصف جرير في هذه الصورة رجال قومه الأشداء بأنهم جمع يموج في الكثرة وينساب كالسيل الجارف على الخصوم، مستعينًا في ذلك بثقافته الدينية، فيشبه كثرتهم الكاثرة وقوتهم الضاربة بصورة الحجيج حينما يفيضون مجتمعين من بعض الأماكن المرتفعة في الحج، فقوم جرير مثلهم مثل الطيور والسباع التي تأتي جثث الموتى وهم كُثُر ينقضون على فريستهم من علو، وقد استغل جرير في هذه الصورة نصرانية الأخطل، لأن صورة الحجيج تختص بالمسلمين دون النصارى.

أما الصورة النموذجية عند الأخطل فتتجلى في توظفيه للميسر، ذلك الموروث العربي القائم على المخاطرة بالأهل والمال، فيقول:

لولا فوارسُ دارمٍ لقُسِمتُمُ ... مثل اقتسامِ الياسرين جزورا [4]

يقرن الأخطل شدة بأس الآخرين وقوة تمزيقهم لأديم قبيلة جرير باقتسام الجزور بين الياسرين الذين يضربون بالقداح، وحقيقة هذا أن العرب في الجاهلية"كانت لهم عشرة أقداح، وهي الازلام، والأقلام، والفذ، والتوأم، والرقيب، والحلس، والنافس، والمسبل، والمعلى، والمنيح، والسفيح، والوغد، لكل واحد منها نصيب معلوم من جزور ينحرونها ويجزؤنها عشرة اجزاء، وقيل ثمانية وعشرين إلاّ الثلاثة، وهي المنيح والسفيح والوغد، للفذ سهم، وللتوأم سهمان، وللرقيب ثلاثة، وللحلس أربعة، وللنافس خمسة، وللمسبل ستة، وللمعلى سبعة يجعلونها في الربابة وهي خريطة ويضعونها على يدي عدل، ثم يجلجلها ويدخل يده فيخرج بإسم رجل رجل قدحًا منها، فمن خرج له قدحٌ من ذوات الأنصباء أخذ النصيب الموسوم به من ذلك القدح، ومن خرج له قدحٌ مما لا نصيب له لم يأخذ شيئًا وغرم ثمن الجزور كله، وكانوا يدفعون تلك الأنصباء إلى الفقراء ولا يأكلون منها، ويفتخرون بذلك ويذمون من لم يدخل فيه، ويسمونه البرم" [5] .

(1) - الصورة الفنية في شعر أبي تمام، د. عبد القادر الرباعي، جامعة اليرموك، الأردن، ط1، 1980:156.

(2) - ديوان جرير: 1/ 158، ونقائض جرير والأخطل: 171 - 172، ذو بهدى: موضع كانت فيه وقعة مقتسرٌ مقهورٌ وكان لقيس على تغلب، والأحقاف: ديار عاد، وهي رمال بظاهر بلاد اليمن كانت عاد تنزل بها.

(3) - ديوان جرير: 1/ 104، ونقائض جرير والأخطل: 187.

(4) - نقائض جرير والأخطل: 117.

(5) - الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، الزمخشري، دار الكتاب العربي، بيروت-لبنان- 1947: 1/ 261 - 262.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت