1 -الصور الحسية:
يقف العالم المحسوس في مقدمة المعطيات التي تُمدّ الشاعر بقدر هائل من الإمكانات الموضوعية لتشكيل صوره الشعرية، إذ"تستأثر الحواس بالنصيب الأوفى من الصور الفنية" [1] ، فالصور الحسية تستمدّ فعاليتها من النزوع من داخل مضطرب إلى عالم خارجي منسجم اعتمادًا على الحواس الخمس، وتُصنف الصور الحسية حسب الحواس إلى صور بصرية، و سمعية، و شمية، و لمسية، و ذوقية.
تتوزع الصور الحسية في نقائض جرير و الأخطل على الحواس كافة، بيد أنّ الصورة البصرية تشغل حيزًا أكبر و مساحة أوسع، لأن حاسة البصر تستبدّ بالصور الفنية أكثر من بقية الحواس [2] ، أضفْ إلى ذلك أن شعراء النقائض كانوا يركزون على إبراز مثالب المهجو ماثلة للعيان، و من ثم وجدوا أنّ تقديم المهجو في صور بصرية أكثر إيفاءً بهذا الهدف.
فمن الصور البصرية عند جرير قوله في تعيير الأخطل بهزيمة نكراء:
فقد قذفتْ من حرب قيسٍ نساؤكُمْ ... بأولادها منها تمامٌ و مُعجَلُ
ومقتولةٍ صبرًا ترى عند رجلها ... بقيرًا و أخرى ذاتُ بنتٍ تُولوِلُ
تقول لك الثكلى المصاب حليلُها ... أبا مالكٍ ما في الظعائن مغزلُ [3]
يرسم جرير صورة مرئية لما لاقته نساء بني تغلب من التنكيل، إذ ترى الحبالى منهن يضعن حملهنّ في غير أوانها من شدة الحرب، و تجد أخرى قد شُقّ بطنها وهي تلفظ آخر أنفاسها ناظرة إلى ولدها الذي رُمي به عند رِجلها، و ثالثة تدعو على نفسها بالويل، إذ تُسبى بنتها الودودة على مرأى و مسمعٍ منها، وتسمع من جانب آخر امرأة مفجوعة تصيح بالعويل على فقيدها و إصابة زوجها لتعيد الأخطل إلى منطق العقل و عين الصواب بردّه عن التمادي في الغزل في موقفٍ لا يصلح فيه إلاّ الجدّ، و إنما يرسم الشاعر المشهد الأخير (ما في الظعائن مغزل) إمعانًا منه في تصوير المهجو على نحو ساخر، حيث لا يدرك خطورة الموقف، أو بالأحرى لا يغير على المحارم و لا يأخذ بثأرهم.
ومثلها قول جرير ايضًا:
لعن الاله نُسَيَّةً من تغلبٍ ... يرفعنَ من قِطع العباء خدورا
من كل حَنْكَلةٍ ترى جلبابها ... فروًا و تقلب للعباءة نيرا
و كأنما بَصق الجرادُ بِلِيتِها ... فالوجه لا حسنًا و لا منضورا
لَقِحَتْ لأشهبَ بالكُناسة داجنِِ ... خنزيرةٌ فتوالدا خنزيرا [4]
إذ يستنزل جرير على نسوان تغلب اللعنة من السماء، يضعهن في صورة بصرية مزرية تسيء إلى سمعتهن، إذ زعم أنهنّ يكشفنَ النقاب عن وجوههن استهواءً للفاحشة و نبذًا للبس الحشمة، و جعل خدورهن قطعًا صغيرة من الأكسية الخسيسة إيذانًا بدناءتهن بين الناس، ثم يرسم الشاعر صورة جماعية لأشكال
(1) - الصورة الشعرية، س ـ دي لويس، ترجمة: د. احمد نصيف الجنابي، مالك اميري، سلمان حسن ابراهيم، منشورات وزارة الثقافة والإعلام، العراق، 1982: 44.
(2) - الشعر والتجربة، ارشيبالد مكليش، ترجمة: سلمى الخضراء الجيوسي، مطبوعات دار اليقظة العربية، بيروت،1963 ...: 69، والصورة الشعرية: 21.
(3) - ديوان جرير، رواية وشرح محمد بن حبيب، تحقيق: د. نعمان محمد أمين طه، دار المعارف، ط3، 1971: 1/ 142 - 143، ونقائض جرير والأخطل، ابو تمام، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، 1922: 67 - 68.
(4) - ديوان جرير: 1/ 231 - 232، ونقائض جرير والأخطل: 126 - 127.