الصفحة 5 من 21

المهجوات من خلال التعبير بـ (من كل حنكلة) ، وهو تعبير يحمل الدلالات السلبية الرامية إلى كونهن عجوزات قصيرات دميمات في آن معًا، و قد ساعد على تمكين هذا المعنى استخدام الشاعر لصيغة التصغير (نُسَيَّة) ، و تزداد الصورة قبحًا حين يقرن الشاعر نسوان تغلب بالبهائم في جلابيبهن، لأن الفرو يختص ببعض البهائم، أضِفْ إلى ذلك أنهن يقلبنَ دائمًا عَلَمَ الأثواب الدال على التميز، لأنهنّ اعتدن على العبودية و الذل، فلا يرضين بسوى مجاراة العبيد حتى في لباسهن، و يستقصي جرير المظهر الخارجي للمرأة المهجوة في إطار تصويري يبعث على الضحك عندما يتخيل أن الجراد قد بصق على صفحة عنقها من شدة السواد، فهو"يصف أنها سوداء الليت، كأن عليها بُصاق الجراد الذي قد أكل اليبيس، فأن بصاقه عند ذلك اسود" [1] ، زِدْ على ذلك أن بصاق الجراد ينبيء عن التشاؤم والشرّ، فهو"يوحي بالخراب و التشويه و القحط و اليباس و الجفاف" [2] ، ثم يلتفت جرير إلى أم الأخطل على نحو خاص، ليصورها في صورة خنزيرة حملتْ من خنزير وصفه الشاعر بالأشهب و الحبيس، للدلالة على سوء منظره من جهة، و كونه مهانًا ذليلًا من جهة أخرى، ومن هذا الأصل اللئيم انحدر الأخطل، فهو عريق في لؤمه و انتمائه إلى الخنزير.

ويوجه الأخطل سهام أهاجيه صوب جرير في صورة بصرية تهدف إلى إبراز امرأة من نساء قيس في حومة الوغى صريعةً على الأرض، على نحو قوله:

وكم من جنينٍ بات ينزعُ نفسَه ... لقيسيَّةٍ قد هكَّها السيفُ بالخَصْر

سُلَيْميّةٍ سوداءَ أو عامريةٍ ... تجرُّ سلاها حين تنهض بالصدر

بها رمقٌ فالطيرُ تبقُرُ بطنها ... وتضربُ عينيها قوادمُ من نَسْر [3]

المرأة مثخنة بالجراح، بقير البطن بالسيف، طريحة على الأرض، وقد تدلّى منها جنينها ملففًا في اللفافة التي تكون في البطن على الولد، فبات يلفظ آخر أنفاسه وأمه مذهولة مدهوشة، بل غدتْ طعامًا للطير التي تحوم حول جثتها ضاربة عينيها وعابثة بأحشائها.

ولا يفوتني أن أشير إلى أنّ الصورة البصرية في نقائض جرير والأخطل كثُر مجيئها في مجال هجاء المرأة [4] ، والسبب في ذلك أن إبراز صورة المرأة وجعلها نصب أعين المتلقين بما فيها من القتامة والإقذاع أشدّ ايذاءً للخصم وأبلغ أثرًا في نفسه، وتلك غاية يسعى المتناقضان إلى تحقيقها.

وثمة - في نقائض جرير والأخطل - حضورٌ جلي للصور السمعية لا تقِلّ أهمية عن الصور البصرية عبر توظيف الأصوات الدالة في سياقات خاصة، ويبغي الشاعر وراء ذلك التعبيرَ عن أفكار تستعصي على الإيصال إلى المتلقي إلاّ بتصوير المسموعات، و"لا يخفى ما لهذا الجانب في الشعر من أهمية كبيرة في البنية العامة للنص، إذ يشكل عاملًا فعالًا من عوامل ديناميته ومرونته" [5] ، ومن ثم فإن الأخطل يعول على صورة يملأ الصياحُ جوانبَها حين يرمي رهط جرير بالبخل إذ يقول:

قومٌ إذا اسْتَنبحَ الأضيافُ كلبهُمُ ... قالوا لأمهم بُولي على النّارِ [6]

تقوم الصورة السمعية على رسم مشهد من مشاهد البيئة العربية الاجتماعية آنذاك، وهو مشهد يتسع

(1) - نقائض جرير والأخطل: 126 - 127.

(2) - فن الهجاء وتطوره عند العرب، ايليا حاوي، دار الثقافة، بيروت:410.

(3) - شعر الأخطل، صنعة السكري، تحقيق: د. فخر الدين قباوة، منشورات دار الآفاق الجديدة، بيروت، ط2، 1979: 1/ 182، ونقائض جرير والأخطل: 34.

(4) - ينظر على سبيل المثال لا الحصر: شعر الأخطل: 1/ 133، ونقائض جرير والأخطل: 190، وديوان جرير: 1/ 159، ونقائض جرير والأخطل:176، وديوان جرير:2/ 675.

(5) - أنماط الصورة الفنية في شعر احمد عبد المعطي الحجازي، محمد صابر عبيد، مجلة الأقلام، السنة (24) ، العدد (24) ، أيلول ... 1989: 131.

(6) - شعر الأخطل: 2/ 636، ونقائض جرير والأخطل: 135 0

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت