الصفحة 6 من 21

لتصوير ضيفانٍ أضلّتْ بهم الطريقَ الليلةُ الظلماء، فصاحوا صياح الكلب، لتجيبهم الكلاب، فيعرفوا موضع الحيّ، فالصورة واسعة الفضاء، رحب المدى، حافلةٌ بالأصوات، تلتقي فيها نبوحُ أضيافٍ تنادي بعواء كلبٍ يستجيب في وتيرة صوتية واحدة على بعد المدى وطول المسافة، بَيْد أن الصورة الصوتية على جماليتها في بنية النص وفعاليتها في الدلالة الهجائية لم تكن مقصودة لذاتها، بل وُظفتْ بغية اقترانها بصورة مهانة بشعة لأم المهجو، وذلك في الشطر الثاني من البيت، إذ تطلب بنو كليب من أمهم- إذا أحسوا بقدوم الضيفان- أن تبول على النار لتخمد لهيبها حتى لا يحلّ بهم الضيفان، وقد فطن ابن رشيق القيرواني إلى مكامن الهجاء في تلك الصورة الساخرة عندما قال:"نسبهم إلى البخل بوقود النار لئلاّ يهتدي بم الضيفان، ثم البخل بإيقادها إلى السائرين والسابلة، ورماهم بالبخل بالحطب، وأخبر عن قلّتها وأن بولةً تطفئها، وجعلها بولة عجوز، وهي أقل من بولة الشابة، ووصفهم بإمتهان أمهم وابتذالها في مثل هذا الحال، يدل بذلك على العقوق والاستخفاف، وعلى ان لا خادم لهم، وأخبر في أضعاف ببخلهم بالماء" [1] .

وإذ يتناول جرير الدلالة نفسها- الهجاء بالبخل- يستغل من الطاقات التعبيرية ما يمنحه القدرة على رسم صورة سمعية تتجلى في رصد ذلك الاضطراب الصوتي - التنحنح- الذي يخرج من التغلبي البخيل إذا ما نزل به الضيف أو حلّ به أحد، فلا يدري ماذا يقول، وماذا يفعل، إذ الاضطرابُ يأخذه، والحيرة تملكه، لسانه يتلعثم، وجسمه يضطرب، فهو يحِكّ مؤخرته ويكثر من الحركات العابثة لعله يصرف نظر الضيف عن القرى أو يجد هو في ذلك مخرجًا للتهرب من الضيافة، وآية ذلك قوله:

والتغلبيُ إذا تَنَحْنَحَ للقِرى ... حكّ استه وتمثّل الأمثالا [2]

وحين احتدم القتال واشتدت المواقف في سُوح الوغى يتوفر قول جرير على صورة صوتية للمهجو - وهو الأخطل - وقد خرّ صريعًا على الأرض من غير حِراك، ثم صاح صياح الذليل الذي أعيته أوزار الحرب، وانهكته كثرة الرعب، فشدّ بصوته الأنظار إلى نفسه، وغدت صورته السمعية تلك مقرونةً في خيال الشاعر بصورة الموتى عندما يبعثون من قبورهم وهم يصطرخون من هول الموقف، وبرهان ذلك قوله:

كانت وقائع قلنا لن تُرى ابدًا ... من تغلبٍ بعدها عينُ ولا اثرُ

حتى سمعتُ بخنزيرٍ ضغا جزعًا ... منهم فقلتُ ارى الأموات قد نُشِروا [3]

أما الصور الشمية فقد شغلت حيزًا اقل من الصور البصرية والسمعية في نقائض جرير والأخطل، ولعل مرد ذلك إلى تركيز شعراء النقائض على ما هو ابعث على الضحك وادعى إلى السخرية امعانًا منهم في التحقير، وقد استثمر الأخطل هذا النمط من الصور الحسية حين وصف جُثّة عُمَير بن الحُباب - وهو قيسيٌ من رهط جرير- في ساحة الحرب بقوله:

أ معشرَ قيسٍ لم يُمتَّع أخوكُمُ ... عُميرٌ بأكفانٍ ولا بطهورِ

تدلّ عليه الضَّبعَ ريحٌ تضوّعَتْ ... بلا نفح كافورٍ ولا بعبيرِ

وقتلى بني رِعلٍ كأنَّ بطونها ... جَلْهة الوادي بطونُ حميرِ [4]

(1) - العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده: ابن رشيق القيرواني، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، بيروت-لبنان، ط5، 1981:2/ 175.

(2) - ديوان جرير: 1/ 52، ونقائض جرير و الأخطل: 89،أخبر أنهم إذا حلّ بهم الضيفان يعتريهم ما يعتري البخيل من التنحنح إذا ما سأله أحد حاجة وهو فيما بين ذلك يقول لا حول ولا قوة إلا بالله ثم يزيد على ذلك بحركات غريبة.

(3) - ديوان جرير: 1/ 157، ونقائض جرير و الأخطل: 174.

(4) - شعر الأخطل:1/ 66، هو عمير بن الحباب بن جعدة السلمي، فلما نزل زفر بن حرث قرقيسًا من ارض الجزيرة سار إليه عمير بن الحباب، فجعل زفر يغير على كلب في بلادها فيقتل فيهم وتغزو كلب قيسًا ويغير عمير على كلب البادية حتى امرت كلب الحاضرة حميد بن حُريث فسار إلى من بالهيل فقتلهم اجمعين ثم اتبع عميرَ بن الحباب فهزمهم حتى لحق بقرقيسا وكان هذا في يوم الحُشاك، وبنو رعل كانوا من قوم عمير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت