تظهر الصورة الشمية من التقاط تلك الرائحة العفنة التي تنبعث من جثة عميربن الحباب، وقد تُركت في الصحراء عاريةً من الأكفان، لم تغسل بالماء، فانتشر نتنه في الأرجاء، حتى دلّ الضباعَ على جثتها، وبجانبها أشلاء متناثرة على ضفة الوادي، قد انتفخت بطونها، وتبعثرت اقتابها في الفلا.
ويسخر جرير من الأخطل إذ يرى أن أمه تسعى على إثر الخنزير، وهي في غمرة السكران، وتشمّ على عجلٍ رائحته الخبيثة تباعًا ظنًا أنها طيب الغزال البهي في مثل قوله:
تسوفُ التغلبيةُ وهي سكرى ... قفا الخنزير تحسبه غزالا [1]
وقريب من ذلك قوله في تصوير ريح الخنزير التي تفوح من جلد التغلبية لكثرة أكلها له وطول معاشرتها إياه:
إذا جُرّدتْ لاح الصليبُ على استها ... ومن جلدها زهم الخنازير ينفحُ [2]
ولا يخفى ما لنصرانية الأخطل من أثر في تكوين هذه الصورة الهجائية لدى جرير في النصين السابقين، حيث يرتبط الخنزير في بعده الديني بالنصرانية، مثلما تشير علامة الصليب تصريحًا إلى هذا المدلول الديني النصراني.
إذا كانت النصوص السابقة تحوي صورًا للمهجو في مجالات الحواس الثلاث (البصر، والسمع، والشم) فإنّ هناك نصوصًا أخرى في نقائض جرير و الأخطل ترصد بدقة صورًا ذوات دلالات لمسية، فالأخطل إذ يعمد إلى التقليل من شأن والد جرير، وهو يرعى الغنم ويعتصم بعباءته، يضعه في صورة لمسية تتمثل في البعير الأجرب الذي يرتجّ ألمًا، والجرب داء سريع الانتشار في الجلد يُحدث فيه بثورًا صغارًا لها حكة شديدة، ومما زاد هذا الأجرب ألمًا أنه اُقصي عن أقرانه عنوةً خوفًا من العدوى، وتُرك وحيدًا في الفيافى لتستبدّ به الحمّى اعياءً و هلاكًا، ومصداق ذلك قوله:
وأبوك ذو مَحْنِيَّةٍ وعباءةٍ ... قِملٌ كأجربَ مُنْتسى مورودِ [3]
ونظير ذلك وصف الأخطل للحقد الدفين الذي يكنّه زُفر بن الحارث ضد عبد الملك بن المروان، فالرجل ليس موضع امان، لأن كراهيته مثل العرِّ- وهو الجرب- تمامًا، يختفي حينًا فيُوهم بالخلاص ثم يدبّ سريعًا في بقية الجلد فيودي بصاحبه، وتبدو هذه الصورة بجلاء في قوله:
ان الضغينة تلقاها وإن قَدُمتْ ... كالعرِّ يكمن حينًا ثم ينتشرُ [4]
ويحرص جرير على انتفاء صورة لمسية عن المرأة التغلبية، واثبات أخرى لها في آن معًا، فأم الأخطل فاجرة فاسدة لا تتبرك بيديها معالم البيت العتيق - الكعبة - بل دأبُها التطواف حول قرابين الصليب وتلمس أطرافها في شغف، كما يظهر في قوله:
ولم تمسح البيتَ العتيقَ أكفُها ... ولكن بقربان الصليب تمسَّحُ [5]
ويبدو أثر النصرانية واضحا ايضًا في تشكيل هذه الصورة، إذ يركز جرير في الشطر الثاني على هذا الجانب في أسلوب التقديم والتأخير مما يوحي بأن هذا المعنى الديني يعد مرتكزا حساسًا في رؤية جرير عندما
(1) - ديوان جرير: 2/ 750.
(2) - ديوان جرير: 2/ 840.
(3) - شعر الأخطل: 2/ 521، محنية: علبة من جلود الإبل، الأجرب: هو البعير الذي اصابه داء الجرب، منتسى: مباعدٌ لجريه، مورود: وردته الحمى.
(4) - شعر الأخطل: 2/ 203.
(5) - ديوان جرير: 2/ 840.