الصفحة 8 من 21

يرمي الأخطل النصراني بسهام أهاجيه.

أما الصورة الذوقية للمهجو، فلم ترد في نقائض جرير والأخطل إلاّ في موضع واحد، وهو قول الأخطل:

وابنُ المراغة حابسٌ أعياره ... قَذْفَ الغريبةِ ما يذقنَ بِلالا [1]

تستمدّ الصورة دلالتها الهجائية من واقع البيئة العربية في ذلك الوقت، حيث تُمنع الضعفاء عن ورود الماء حتى يشرب الأقوياء صفوه وكثرته، فجرير هنا اضعف من ان يُورد حميره الماء، لأنها تُملأ عن الماء كما تُملأ غرائب الإبل إذا وردت في ابل لسنَ منها، ولذلك تبقى اعياره عطاشًا دون أن يذقنَ من الماء ما يبِلّ الفم.

2 -الصور الحركية:

يتسع الإطار التشكيلي والنفسي للصورة الشعرية بأن يتوافر على ضرب من الحركية في الأداء، وهذا ما يجعلها اقدر على نقل التجربة وإحداث الاستجابة لدى المتلقي، ولئن"كانت عبقرية الرسم والنحت في تجميد لحظة معينة في مكان ثابت، فإن عبقرية الشعر في إبراز الفاعلية والنشاط الحركي الذي ينساب على سلسلة من لحظات متعاقبة" [2] ، لذا عدّ النقاد التقاط فاعلية الحركة في الشعر"أجمل ما في التصوير" [3] ، ولعل حركية الصور تنبعث بالدرجة الأولى من رصد المدلولات الحركية للمفردات اللغوية مضافًا إليها استخدام الأفعال بكثرة نظرًا لديمومة طبيعتها، ومن ثم"فان افتقار الصورة إلى الفعل يسلبها دون شك الطاقة على الحركية ويكسبها نوعًا من السكون" [4] ،وهذا الطابع الحركي الذي يضفيه الفعل على الصور يلقي في النفس دفعة شعورية تبحث عن ترابطات الصور المتباينة، إذ أن"الأفعال تقدم للصور مزايا نفسية وفنية من خلال اختيار الشاعر التعبير عن الجو، فالأفعال مسؤولة عن ارتخاء الحركة في الصور أو توترها" [5] .

وقد حفلت نقائض جرير والأخطل بصور حركية مما قد يلائم أسلوب الهجاء الذي يكون أساسه الغضب والاضطراب والتوتر والسخرية والضحك والدعابة، فكأن هذه الصور الهجائية الديناميكية جاءت لتعكس الحالة الشعورية التي يكون عليها المتناقضان أثناء المبارزة.

إذ يتباهى الأخطل بأمجاد اسلافه يضع جريرًا في صورة تمور بالحركة وتنبض بالحياة عندما يقول:

وإذا سما للمجد فرعا وائلٍ ... واستجمع الوادي عليك فسالا

كنتَ القذى في موج اكدرَ مزبدٍ ... قذفَ الأتِيُّ به فضلَّ ضلالا [6]

يشبه الأخطل جريرًا بالقذى اليسير الذي يقذف به السيل العارم، فيتحرك دومًا في كل اتجاه على غير ارادة منه، الأمر الذي جعله ضائعًا في غمرة الأمواج المتدافعة التي يكدر لونه بما يحمل من الأوساخ، وفي التعبير بالمصدر (( فضلّ ضلالا ) )ايحاءٌ بهذا الضياع، ولا يخفى ما في لفظة (( سال ) )من معنى الحشد الفائض والقوة التي لا تدفع، وما في (( الموج ) )من حركة صاخبة تخضع الوادي وما يحمله لنفوذه اخضاعًا كاملًا، فضلًا عن ان الموج يترك دويًا حسيًا في أذن المتفرج عليه، وفي لفظة (( قذف ) )ايذانًا بضعف الخصم وحقارته وسط هذا السيل الصاخب المنحدر.

(1) - شعر الأخطل: 1/ 117،ونقائض جرير والأخطل: 82.

(2) - فلسفة وفن، زكي نجيب محفوظ، الأنجلو المصرية،1963: 382.

(3) - الصورة الفنية معيارًا نقديًا - منحنى تطبيقي على شعر الأعشى الكبير، د. عبد الإله الصائغ، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، ط1، 1987:130.

(4) - الشعر الحر في العراق منذ نشأته حتى عام 1958، يوسف الصائغ، مطبعة الأديب البغدادية، 1978: 183.

(5) - نفسه: 185.

(6) - شعر الأخطل: 1/ 115، ونقائض جرير والأخطل: 82 - 83.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت