الصفحة 16 من 21

الذاتي والطابع الشخصي له" [1] ، والرمز الشعري"ليس الاّ وجهًا مقنّعًا من وجوه التعبير بالصورة" [2] ."

فمن الصور الرمزية عند جرير قوله:

يا خُزرَ تغلبَ إني قد وسمتُكم ... على الأنوفِ وسومًا ذاتِ احبار

لا تفخرُنّ فإن الله انزلكم ... يا خُزرَ تغلبَ دارَ الذلِّ والعارِ [3]

لقد تكررت هذه الصورة (خزر العيون) عند جرير في مواضع عديدة [4] ، وارتبطت عنده بمعنيين، أو قل أصبحت رمزًا لدلالتين"الأولى ما يتصل بالخنزير لضيق عينيه وصغرهما تعييرًا لبني تغلب والأخطل بأكل لحمه، والثانية نسبة تغلب ومنهم الأخطل إلى غير العرب والحاقهم بالأعاجم، كالترك مثلًا، غمزًا لأنسباهم وحطًّا منها" [5] ، ولا بدّ من الإشارة إلى أن إخراج الرجل من النسب العربي وإلحاقه بغيره يُعدّ ذمًّا شنيعًا وعيبًا قادحًا عند العرب.

ذهب بعض الباحثين إلى أن"الصورة إذا عاودت الظهور بإلحاح فإنها تغدو رمزًا" [6] ، وبناءً عليه فإن هناك طائفة من الصور الهجائية المتكررة عند جرير مثل الخمرة والخنزير [7] ، تتحول إلى صور رمزية تحمل دلالات عميقة ومخبوءة من خلالها، فمثال الخمرة كقوله:

من المُتَولِّجاتِ على النشاوى ... ولا تلِجُ الخدودَ ولا الحِجالا

تظلُّ الخمرُ تخْلِجُ اخدعيها ... وتشكو في قوائمها امْذِلالا [8]

والخنزير كقوله:

لعلك ياخنزيرَ تغلب فاخرٌ ... إذا مُضرٌ منها تسامى بنو الحرب

ألم ترَ قيسًا قيسَ عيلانَ دمّرت ... خنازيرَ بين الشَّرْعَبِيّةِ والدَّرْبِ

تعذرتَ ياخنزيرَ تغلب بعدما ... علِقْتَ بِحَبْلي ذي معاسرةٍ صَعْبِ [9]

وغالبًا ما يجتمعان في بيت واحد أو اكثر كما في قوله:

يقِئنَ صباباتٍ من الخمر فوقها ... صهيرُ خنازير السواد المملَّحِ [10]

إن الخمر والخنزير يرمزان في صور المهجو عند جرير إلى اكثر من معنى، فيدلان أولًا على طرد الأخطل عن دائرة الانتماء الجماعي، لأنه يمارس سلوكًا قذرًا لا ترضاه تقاليد العرب المسلمين، ويدلان ثانيًا على دناءة النفس وضعف الهموم، والانغماس في المجون، ذلك أن الانسياق وراء الخمر والخنزير يُقعد المرء عن الفروسية ويحشره في زمرة العاجزين عن القتال، ويقترن الخنزير والخمرة بالجانب الديني الذي طالما استغله جرير نقطة ضعف في خصمه النصراني.

وتعد القصص النموذجية التي انتزعت من الماضي السحيق طرفا من الصور الرمزية، و"لقد خلدت هذه القصص في خيال الجماعة بمعانيها الرمزية الواسعة حتى غدت إثارة جزء بسيط منها كفيلةً باستحضار كل تلك المعاني" [11] ، من ذلك ما ساقه الأخطل من قصة النبي صالح - عليه السلام - مع قومه ثمود، إذ عقروا الناقة التي جعلها الله لهم آية، ثم صعد الفصيلُ الجبل، واستقبل القبلة فدعا عليهم،

(1) - الصورة الفنية في شعر أبي تمام: 107.

(2) - الشعر العربي المعاصر، د. عز الدين إسماعيل، القاهرة، 1967:195.

(3) - ديوان جرير: 1/ 237، ونقائض جرير والأخطل: 147.

(4) - ينظر على سبيل المثال: ديوان جرير 1/ 159، 1/ 167، 1/ 388.

(5) - نقائض جرير والأخطل، د. عبد المجيد عبد السلام المحتسب، دار الفكر، 1972: 307.

(6) - نظرية الأدب، رينية ويليك واوستن وارين، ترجمة: محيي الدين صبحي، ط3، 172: 244، وينظر: مشكلة المعنى في النقد الحديث، د. مصطفى ناصف، القاهرة، 1965:88.

(7) - ينظر على سبيل المثال: ديوان جرير 1/ 232، 1/ 239، 1/ 283، 1/ 157، 158، 2/ 306، 1/ 156.

(8) - ديوان جرير: 2/ 751.

(9) - نقائض جرير والأخطل: 113.

(10) - ديوان جرير: 2/ 840.

(11) - تشكيل الصورة في شعر زهير بن أبي سلمى: 632.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت