على الاستعارية إحدى سمات هذا الشعر. [1]
تُعدّ الكناية وسيلة من وسائل تشكيل الصور في الشعر، وقد تنبه الباحثون إلى"أهميتها الفنية المتمثلة في قدرتها على السمو بالمعنى والارتفاع بالشعور إلى مستوى من التصوير الايحائي الشفاف الذي لا يثير المخيلة حسب بل ينفذ إلى الذهن عن طريق الحس، فيصدمه أولًا بالمعنى الحسي، ثم يفجؤه بعد ذلك بما يخفيه هذا المعطى الحسي من إشارات ورموز، وفكرة وشعور بوساطة الايماءة السريعة واللمحة الخاطفة" [2] ، لذا توخاها الشعراء"استكثارًا للألفاظ التي تؤدي ما يقصر من المعاني، وبها يتنوقون في الأساليب، ويزينون ضروب التعبير، ويكثرون من وجوه الدلالة" [3] .
وقد استغل جرير والأخطل هذا النمط التعبيري الموحي ابتغاء تشكيل صور مثيرة ومعبرة في نقائضهما، من ذلك ما تضمنته هذه الصورة الهجائية لجرير:
الظاعنون على العمياء إن ظعنوا ... والسائلون بظهر الغيب ما الخبر [4]
في هذه الصورة كناية عن تخلف المهجوين وهوانهم على الناس، إذ لا يُستثار بهم ولا يُعبأ بآرائهم، بل لا يسمح لهم بحضور منتديات الأعيان حيث يقضي الناسُ هناك أمورهم دون ان يعرف بنو تغلب منها شيئًا.
وكذلك قوله:
تفِدُ الوفودُ وتغلبُ منفيةٌ ... خلفَ الزوامل والعواتق مِيلُ [5]
عبّر جرير بهذه الكناية عن صورة المهجوين المنحطة بين الناس، إذ ألحقهم بالأجراء بل بأبناء الاماء الذين لا يحسنون الاّ الخدمة وحمل الأثقال، لذلك ترى عواتقهم موائل من حمل الأعدال.
ومن الكنايات المصورة قولُ الأخطل:
على العيارات هدّاجون قد بلغت ... نجرانَ أو حَدِّثتْ سوءاتهم هَجَرُ [6]
تضفي الكناية في قوله (على العيارات هداجون) دلالة تصويرية جديدة على البيت ترمز إلى نفي الفروسية عن قوم المهجو وعجزهم عن اللحاق بالكرام، حيث يمتطي الناس الخيول والإبل، وهم يركبون الحمير ويمشون للفضيحة حتى بلغت سوءاتهم الآفاق.
لا بدّ من القول بأن صور المهجو القائمة على الأسلوب الكنائي في نقائض جرير والأخطل وردت بنسبة اقل من الصور القائمة على التشبيه والاستعارة [7] ، وقد يُعزى السبب إلى ان لغة النقائض تمتاز بالواقعية المكشوفة - وهي خصيصة تقف ورائها بواعث بيئية وفنية ونفسية - فتدل الألفاظ على معانيها دلالة حقيقية سافرة دون المواراة والرمز والكناية [8] .
2 -الرمز: وهو"تفاعل بين مظاهر خارجية ومشاعر جماعية كونتها قيم دينية وانسانية وقومية، ولكنه موجه بخلفية عقلية خاصة بمستخدمه مهمتها - إلى جانب التعبير عن تلك المشاعر- ابراز المزاج"
(1) - قام الدكتور عبد القادر الرباعي باستقراء لهذه النسبة في الشعر الجاهلي، فاتخذ شعر امرئ القيس وزهير بن أبي سلمى ميدانًا لهذا الاستقراء، فوجد ان نسبة التشبيه إلى الاستعارة عند امرئ القيس بلغت ( ... ) وعند زهير ( ... ) ، ينظر: تشكيل الصورة في شعر زهير بن أبي سلمى، د. عبد القادر الرباعي: 628، والصورة في النقد الأوروبي، محاولة لتطبيقها على شعرنا القديم، د. عبد القادر الرباعي، مجلة المعرفة السورية، العدد 104، 1979: 63.
(2) - مفهوم الصورة الشعرية قديمًا، د. الأخضر عيكوس، مجلة الآداب جامعة قسنطينة، الجزائر، العدد (02) ، 1995: 91.
(3) - علوم البلاغة، احمد مصطفى المراغي، ط1، دار الكتب العلمية، بيروت، 1982: 338.
(4) - ديوان جرير: 1/ 153، ونقائض جرير والأخطل: 172.
(5) - ديوان جرير: 1/ 105، ونقائض جرير والأخطل:189.
(6) - شعر الأخطل: 1/ 209، ونقائض جرير والأخطل: 163.
(7) - بلغت الصور الكنائية في نقائض جرير والأخطل في مجال الهجاء تسع صور فقط.
(8) - تأريخ النقائض في الشعر العربي: 361.