الصفحة 14 من 21

وقد أفاد الأخطل من طاقات الاستعارة، فرسم بها صورًا موحية ومعبرة للمهجو، كما في قوله:

وما اليربوع محتضنًا يديه ... بِمُغنٍ عن بني الخطفي قِبالا

تُسدُّ القاصعاءُ عليه ... حتى يُنفّقَ أو يموت بها هزالا [1]

تعمل الاستعارة في لفظة (اليربوع) - وهو حيوان صحراوي يشبه الضبّ - على رسم صورة مزرية للمهجو (جرير) ، إذ يصوره وهو يضم يديه إلى صدره إذا مشى، والمحترشون يطاردونه، فيكثر من الانتقال من جحر إلى آخر، حتى يدخل القاصعاء ثم يُسدّ عليه هذا الجحر حتى يخرج راغمًا من الجحر الثاني - النافقاء - فيمسك به المحترش، أو يموت فيها جوعًا، وقد ساعد الشاعرَ على هذه الطلعة الفطنة اشتراكُ المهجو - هو جرير بن كليب بن يربوع - والحيوان في اسم واحد وهو اليربوع.

ومن الصور الاستعارية عند الأخطل قوله مخاطبًا جريرًا:

ولقد شددتَ على المراغة سرجَها ... حتى نزعتَ وانت غيرُ مُجيدِ [2]

فأم جرير تماثل الدابة التي يشد صاحبها السرج عليها استعدادًا للجري في رهان السباق.

ويُلحظ على صور الاستعارة عند الأخطل انها تقوم على اقتران شيئين حسيين في التشابه [3] ، ولعل مرد هذه النزعة الحسية في التصوير الشعري عند الأخطل يعود إلى تأثره بالشعراء الجاهليين الذين يؤثرون هذه النزعة بدوافع مختلفة، لاسيما مدرسة زهير بن أبي سلمى لأن الأخطل يعد من اتباع مدرسة عبيد الشعر.

وتعتمد الاستعارة في تشكيل صورة المهجو عند جرير - إلى جانب التشابه الحسي - على التجسيد والتشخيص ايضًا*، فمن التجسيد قوله:

يا خُزرَ تغلبَ ان اللؤم حالفكم ... ما دام في ماردِينَ الزيتُ يُعتصرُ

تسربلوا اللؤمَ خَلْقًا من جلودهم ... ثمّ ارتدوا بثياب اللؤم واتزروا [4]

اصبح اللؤم ثيابًا يلبسه المهجو، فهو ملتصقٌ به مثلما يلتصق الثياب بالجلود، واللؤم صفة تطلق على الرجل إذا كان وضيعًا في نسبه، أو إذا كان في دائرة النسب المؤتشب.

ومن التشخيص قوله مخاطبًا الأخطل:

هلاّ سألتَ غُثاءَ دجلة عنكُمُ ... والخامِعاتُ تجمِّع الأوصالا [5]

غدتْ دجلة انسانًا يخبر المهجو بما يسوء ويكره، فإلحاق الأذى والعار واقعٌ بهم في الحرب على رؤوس الأشهاد، ويشهد بذلك تمزيق الضباع بقايا أجسادهم وأكل لحوم موتاهم.

بلغت صور المهجو المبنية على الاستعارة عند جرير ست صور [6] ، وعند الأخطل خمس صور، وبالمقارنة بين التشبيه والاستعارة في تشكيل صور المهجو في نقائض جرير والأخطل يظهر أن التشبيه يفوق الاستعارة، حيث بلغتْ نسبته إليها (1:2,2) ، ولا غرو في ذلك إذا ما تذكرنا أن الشعر الأموي عامة، والنقائض بشكل خاص، يحاكي الشعر الجاهلي في الصياغة والمضمون، وكانت غلبة الصور التشبيهية

(1) - شعر الأخطل: 1/ 134، ونقائض جرير والأخطل: 190، القاصعاء: أحد جُحَرة اليربوع وهي القاصعاء والنافقاء والراهطاء، وينفق: يخرج من النافقاء.

(2) - شعر الأخطل: 2/ 519.

(3) - ينظر صور الاستعارة عند الأخطل على سبيل المثال: شعر الأخطل: 1/ 181، ونقائض جرير والأخطل: 31، وشعر الأخطل: 1/ 208، ونقائض جرير والأخطل: 163، 116.

* التجسيد: يكسب المعنويات صفات محسوسة مجسدة، أما التشخيص: فيخلع الصفات الإنسانية على كل المحسوسات والماديات، ينظر: الصورة الفنية معيارًا نقديًا: 154.

(4) - ديوان جرير: 1/ 159، ونقائض جرير والأخطل: 172.

(5) - ديوان جرير: 1/ 57، ونقائض جرير والأخطل: 90.

(6) - ينظر صور الاستعارة عند جرير في ديوانه: 1/ 25، 1/ 157، 1/ 228، 2/ 751.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت