فأهلكهم الله عن بكرة أبيهم، يقول الأخطل في ذلك:
لعمري لقد لاقت سُلَيمٌ وعامرٌ ... على جانب الثرثار راغيةَ السَّقْبِ [1]
ويقول ايضًا:
لعمري لقد لاقت سُلَيمٌ وعامرٌ ... على جانب الثرثار راغيةَ البَكْرِ [2]
إن التعبير بـ (لاقى راغية السقب، أو لاقى راغية البكر) يرمز إلى صورة العقاب الجماعي أو الدمار الشامل الذي لا يرجى منه الخلاص، كما انه يعيد إلى الأذهان صورة الطيرة التي لا تبشر الاّ بالسوء، لذلك أصبحت هذه العبارة (كانت عليهم كراغية البكر، أو السقب) مثلًا يضرب في التشاؤم بالشيء [3] .
3 -الحقيقة: لم يعُد تشكيل الصور متوقفًا على الاستعمالات المجازية أو الرموز الشعرية حسب، بل"قد تخلو الصورة من المجاز أصلًا، فتكون عبارات حقيقية الاستعمال، ومع ذلك فهي تشكل صورة دالة على خيال خصب" [4] ، ومن أمثلتها الواضحة في شعرالأخطل في مجال الهجاء قوله مخاطبًا عبد الملك بن مروان:
وقد نُصِرتَ اميرَ المؤمنين بِنا ... لمّا اتاك بِبطن الغُوطَةِ الخَبرُ
يُعَرِّفونك رأسَ ابن الحُباب وقد ... اضحى وللسيف في خَيْشُومه اثرُ
لا يسمع الصوتَ مستكًّا مسامعه ... وليس ينطقُ حتى ينطقَ الحَجرُ
امستْ إلى جانب الحشّاكِ جيفتُه ... ورأسُهُ دونهُ اليَحْمُومُ والصوَرُ
يسأله الصُّبْرُ من غسانَ إذ حضروا ... والحَزْنُ كيف قراك الغِلْمةُ الجَشَرُ
والحارِثَ بن ابي عوفٍ لعِبْنَ به ... حتى تعاوَرَه العِقْبانُ والسُّبَرُ [5]
لا تتوفر الصورة على الوسائل البلاغية ولا على الرموز الشعرية، ومع ذلك فهي ثريةٌ بتفاصيلها وقادرة على استحضار دقائق الحادثة، وذلك حين"يصف الأخطل جثة عمير بن الحباب مطروحةً في ميدان القتال، وقد جُزّت رأسها وحملت بعيدًا عنها إلى الخليفة يقدمها له حاملها معرِّفًا بصاحبها، وقد صمَّتْ منها الآذان، وخرس اللسان، ومزق السيف خيشومها، وتمر رأس بن الحباب -وهي في الطريق إلى عبد الملك - بذلك الحيّ من غسان الذين كان يستخفّ بهم عمير ويصفهم بأنهم رعاة، فينظرون لرأسه ساخرين ويقولون: كيف رأيت بلاء الرعاة؟، وهذا هو الحارث بن ابي عوف لعبت به السيوفُ حتى تركته جَزَر العِقْبان والحَدَأ تحوم حول جثته، وتتنازع لحمه" [6] .
ومن تمام القول في هذا المقام الإشارةُ إلى أن صور المهجو المبنية على الاستعمال الحقيقي للغة تحظى باهتمام الأخطل على نحو لافت للنظر [7] ، أما مثال الصور ذات الاستعمال الحقيقي عند جرير فيفصح عنه قوله:
فقد قذفتْ من حرب قيسٍ نساؤكُمْ ... بأولادها منها تمامٌ و مُعجَلُ
(1) - نقائض جرير والأخطل: 107.
(2) - شعر الأخطل: 1/ 186، ونقائض جرير والأخطل: 34.
(3) - مجمع الأمثال، الميداني تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، دار القلم، بيروت - لبنان: 2/ 141.
(4) - الصورة في الشعر العربي حتى آخر القرن الثاني الهجري: 25، وينظر: التعبير البياني: 142، وعلم الأسلوب:270.
(5) - شعر الأخطل: 203 - 204، ونقائض جرير والأخطل: 161 - 162.
(6) - الهجاء والهجاؤون في صدر الاسلام، د. محمد محمد حسين، دار النهضة العربية للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، ط2، 1971: 101 - 102.
(7) - سعر الأخطل: 1/ 186، 2/ 636، ونقائض جرير والأخطل: 116.