يروى عن أحد مدراء الأمن العام العرب [1] : أن رجلًا فقدَ حقيبةً بداخلها آلاف الدنانير، وجاء يُبَلِّغُ عنها أجهزةَ الأمن العام، كانَ في حالةِ ذهولٍ، وبعد فترةٍ وجيزةٍ وإذا بامرأة تُسلِّمُ الحقيبةَ وبداخلها المبلغُ كاملٌ للأمن العام، تلك المرأة لم تكن تسكن في قصرٍ ولا بيت منيف، بل كانت تسكن في غرفةٍ واحدة هي وزوجها، ومثلُ هذا المبلغِ تسيل له مطامعُ البشر، لكنها لا ترضى أن تعمِّر دنياها بما يفسد آخرتها، بل هي توقن أن الدنيا لا تعمر بمال حرام، اتصلت المديريةُ بالرجل، وجاءته رسلُ الأمن العام بالبشرى، فلما سكَنَ عنه الروعُ، واطمأن إلى ماله كاملًا غيرَ منقوص، قال له المدير: هل تحبُّ أن تقدم مكافأة لهذه المرأة، فأبى، عندها عرض المديرُ على تلك المرأة أن يقدم لها المكافأة من مخصصات الأمن العام؛ وهي المرأة الأمينةُ الفقيرةُ، فأبَتْ، قال لها المدير: فكري مرةً أخرى، في اليوم التالي اتصلت تلك المرأة وطلبت المقابلة، فلما حضرت قالت: أنا لم آتِ لآخذ المبلغ؛ ولماذا حضرت إذن؟ قالت: أريد (كرتًا) منك لَعلِّي أحتاجك في يوم من الأيام، إن كان لي حقٌ أنصفتني بما عندك من جاه وما تملك من سلطةٍ، فأعطاها كرته ورقم تلفونه الخاص، وبعد أشهر اتصلت تلك المرأةُ تطلب من وعَدَها بالمساعدة لحاجةٍ لها، قالت: أني أريد الذهاب للحج أنا وزوجي، ونريدُ مساعدتك لأخذ الفيزا (تأشيرة الدخول) فهذه مكافأتنا إن كتب الله لنا، وكان لها ما أرادت.
هذه القصة نموذج يوضَّحُ كيفَ تصبحُ الحياةُ أنيسةَ في ظلال الإيمان، وكيف يصبح الفقرُ غنى عند الاستغناء بالله، وكيف يصبح الغنى فقرًا؛ عند الاتكال على الدنيا.
يقول ابن عطاء الله السكندري [2] : إلهي ماذا وجد من فقدك؟! وماذا فقد من وجدك؟!.
حين نربي الأمة على القيم الإيمانية يشيع الأمن {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ} (الأنعام: من الآية82) ومن هنا نقول: إن حفظ أمن المجتمع يكون بحفظ أخلاقه التي تشكل ضمانةً لعدم الانحراف، أما علبُ الليل ودورُ المجون، وترويجُ المخدراتِ والخمورِ فكل ذلك تعد محاضنَ للجريمة وتشكل عبئا على أمن المجتمع.
علينا أن نذكر بأننا موقفون بين يدي الله، وسيسألنا عن ما فعلنا لإصلاح المجتمع: كما في الحديث: عن عدي بن حاتم قال:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ فَيَنْظُرُ أَيْمَنَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ مِنْ عَمَلِهِ وَيَنْظُرُ أَشْأَمَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ
(1) هو اللواء نصوح محيي الدين وكان مديرا للأمن العام في المملكة الأردنية الهاشمية عام 1997، وقد حدثني بهذه القصة متعجبًا ومعجبًا
(2) : أنظر الحكم العطائية: لابن عطاء الله السكندري، وقد شرحت بأكثر من شرح منها شرح للشيخ البوطي ولسعيد حوى.