الصفحة 56 من 151

" [السجدة:22] ، ولآيات أخرى كثيرة تدل على كفر عموم المعرضين، ولأن تركه لجميع الأعمال الظاهرة دليل على خلو باطنه من الإيمان والتصديق الجازم [1] ."

القسم الثاني: الإعراض غير المكفر: وهو أن يترك المسلم بعض الواجبات الشرعية غير الصلاة [2] ، ويؤدي بعضها.

(1) فتركه لجنس العمل بأحكام الإسلام بجوارحه دليل على أن ما ادعاه من إقراره بقلبه بأركان الإيمان غير صحيح، إذ لو كان مؤمنًا حقًا بوجوب عبادة الله دون سواه لما أعرض بجوارحه عن عبادة الله وطاعته كلية، ولو كان مؤمنًا حقًا بأن محمدًا × رسول من عند الله تجب طاعته لما عصاه في كل ما جاء به وأمر به من الأعمال الظاهرة.

قال أبوطالب المكي كما في الإيمان لشيخ الإسلام ص318: «من كان عقده الإيمان بالغيب ولا يعمل بأحكام الإيمان وشرائع الإسلام فهو كافر كفرًا لا يثبت معه توحيد» .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى 7/ 611 بعد ذكره أن

(2) الإيمان القلبي يمتنع أن يكون موجودًا مع بقاء الإنسان دهرًا لا يؤدي أي واجب من الواجبات، قال: «ولا يصدر هذا إلا مع نفاق في القلب وزندقة لا مع إيمان صحيح، ولهذا إنما يصف سبحانه بالامتناع عن السجود الكفار، كقوله: + ..."» . ومعنى (سالمون) : ممتنعون عن الصلاة مع قدرتهم على أدائها."

وينظر في هذا النوع من أنواع الكفر أيضًا مجموع الفتاوى 7/ 645،621، و18/ 272، مدارج السالكين 1/ 367،366، النواقض العملية ص44،43،26، 86 - 88، 344 - 357، النواقض الاعتقادية 2/ 121 - 139، وينظر ما يأتي في النفاق - إن شاء الله -.

أما ترك الصلوات الخمس فإن تركها المسلم جحدًا لفرضيتها كفر إجماعًا، وكذلك لو تركها وأصر على تركها بعد تهديده بالقتل إن استمر على تركها، فتركها حتى قتل، فهذا مرتد أيضًا، لأن إصراره على تركها حتى يقتل دليل على كفره في الباطن وأنه جاحد لوجوب الصلاة، أو دليل على أنه تركها إباءً واستكبارًا، وكلاهما كفر.

أما إن تركها المسلم كسلًا وتهاونًا فقد وردت نصوص شرعية كثيرة فيها الحكم بكفره، منها ما رواه مسلم (82) عن جابر قال: قال رسول الله ×: «بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة» .

وقد ثبت عن جماعة من الصحابة الجزم بكفره وأنه لا حظ له في الإسلام، وحكى بعض أهل العلم الإجماع على ذلك: قال المروزي في تعظيم قدر الصلاة ص925: «ذكرنا الأخبار المروية عن النبي × في إكفار تاركها وإخراجه إياه من الملة، وإباحة قتال من امتنع من إقامتها، ثم جاءنا عن الصحابة - رضي الله عنهم - مثل ذلك، ولم يجئنا عن أحد منهم خلاف ذلك» . ثم روى المروزي (978) بإسناد صحيح، رجاله رجال الصحيحين عن التابعي الجليل أيوب السختياني أنه قال: «ترك الصلاة كفر لا يختلفون فيه» . وصححه الألباني في صحيح الترغيب (547) ، وقال المروزي أيضًا (990) : «سمعت إسحاق يقول: قد صح عن رسول الله × أن تارك الصلاة كافر، وكذلك كان رأي أهل العلم من لدن النبي × إلى يومنا هذا» .

وذكر ابن حزم في المحلى 2/ 242 أن هذا قول عمر وعبدالرحمن بن عوف وأبي هريرة وغيرهم، وذكر أنه لا يعلم لهم مخالفًا من الصحابة.

وقال الحافظ ابن القيم في كتاب «الصلاة وحكم تاركها» ص50: «فصل دلالة الإجماع على كفر تارك الصلاة. وأما إجماع الصحابة ... » ثم ذكر قول عمر بعدما طعن: «لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة» ، ثم قال: «قال هذا بمحضر من الصحابة، ولم ينكروه عليه، وقد تقدم مثل ذلك عن معاذ بن جبل، وعبدالرحمن بن عوف، وأبي هريرة، ولا يعلم عن صحابي خلافهم» .

وهذا قول أكثر علماء الحديث، وذهب بعض أهل الحديث وبعض متأخري الفقهاء إلى أنه كافر كفرًا أصغر. ينظر: تعظيم قدر الصلاة، باب ذكر إكفار تارك الصلاة ص873 - 1017، الجامع للخلال ص300 وما بعدها، التمهيد 4/ 224 - 242، شرح اعتقاد أهل السنة 4/ 829،825، شرح السنة 2/ 197، مجموع الفتاوى 20/ 97، كتاب الصلاة لابن القيم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت