والأمر في الحديث، وإن كان ظاهره الإيجاب، لكن قال النووي: لا أعلم أحدًا من الفقهاء قال بوجوب هذا الدفع، بل صرح أصحابنا: بأنه مندوب، ولكن قال المصنف: قد صرح بوجوبه أهل الظاهر. وفي قوله:"فإنما هو شيطان": تعليل بأن فعله فعل الشيطان: في إرادة التشويش على المصلي، وفيه دلالة على جواز إطلاق لفظ الشيطان على الإنسان الذي يريد إفساد صلاة المصلي، وفتنته في دينه، كما قال تعالى: {وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْاْ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَن سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ} وقيل: المراد بأن الحامل له على ذلك شيطان، ويدل له رواية مسلم:"فإن معه القرين".
وقد اختلف في الحكمة المقتضية للأمر بالدفع، فقيل: لدفع الإثم عن المار، وقيل: لدفع الخلل الواقع بالمرور في الصلاة، وهذا الأرجح؛ لأن عناية المصلي بصيانة صلاته أهم من دفعه الإثم عن غيره، قلت: ولو قيل: إنه لهما معًا، لما بَعُد، فيكون لدفع الإثم عن المار، الذي أفاده حديث:"لو يعلم المار"، ولصيانة الصلاة عن النقصان من أجرها، فقد أخرج أبو نعيم عن عمر:"لو يعلم المصلي ما ينقص من صلاته بالمرور بين يديه، ما صلى إلا إلى شيء يستره من الناس"، وأخرج ابن أبي شيبة: عن ابن مسعود:"إن المرور بين يدي المصلي يقطع نصف صلاته"، ولهما حكم الرفع، وإن كانا موقوفين، إلا أن الأول فيمن لم يتخذ سترة. والثاني مطلق، فيحمل عليه. وأما من اتخذ السترة فلا نقص في صلاته بمرور المار؛ لأنه قد صرح الحديث: أنه مع اتخاذ السترة لا يضره مرور من مرّ، فأمره بدفعه للمار، لعل وجهه: إنكار المنكر على المارّ؛ لتعديه ما نهاه عنه الشارع، ولذا يقدم الأخف على الأغلظ.