وهذا الحديث أبان الأنساك الثلاثة، ووضحت عائشة رضي الله عنها أن الصحابة رضي الله عنهم أهلوا بجميع هذه الأنساك، وهذا في الحقيقة في مبدأ الأمر فلما كانوا في أثناء الطريق أشار النبي صلى الله عليه وسلم على من لم يسق الهدي أن يتمتع فلما طافوا بالبيت وسعوا بين الصفا والمروة أمر النبي صلى الله عليه وسلم أمرًا جازما كل من لم يسق الهدي أن يحل حتى قال جابر والحديث في مسلم: يا رسول الله: أيذهب أحدنا إلى منى وذكره يقطر منيًا، قال: «نعم» ، وقال الآخر يا رسول الله: أي الحل؟، قال: «الحل كله» ، وقال آخر: ألعامنا هذا يا رسول الله؟ قال: «لا، بل لأبد الأبد، بل لأبد الأبد» . وهذه الأحاديث الصحاح كلها تبين أن التمتع لمن لم يسق الهدي واجب، كما هو قول جماعة من كبار الفقهاء والمحدثين، قال به الحبر ابن عباس وطائفة من أصحابه واختار هذا القول ابن حزم وانتصر له ابن القيم رحمه الله وقال: ونشهد الله أننا لو حججنا وطفنا بالبيت وسعينا بين الصفا والمروة لوجب علينا الحل تفاديًا من غضب الله تعالى.
وأما من ساق الهدي فيبقى على إحرامه والقران في حقه أفضل إذا ساق الهدي، فما كان الله ليختار لنبيه إلا الأكمل والأفضل، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم لحسن خلقه اراد أن يطيب قلوب الصحابة فقال: «لولا أني سقت الهدي لأحللت معكم» . كما قال في حق الأنصار: «لو سلك الناس واديًا وشعبًا لسلكت وادي الأنصار وشعبها» . والحديث في الصحيحين.
نية الدخول في النسك ركن من أركان الحج، وأما لبس الإحرام فهذا واجب وليس ركنًا، وبعض العوام لا يفرق بين لبس الإحرام وبين نية الدخول في النسك والفرق بينهما أن نية الدخول في النسك ركن من أركان الحج فلو أن إنسانًا لبس إحرامه ولم ينو الدخول في النسك لا حج له، ولو أن امرءًا نوى الدخول في النسك ولم يلبس إحرامه صح حجه مع الإثم.