أشركوا إخوانهم المهاجرين في أموالهم، ولم يقف الأمر عند ذلك، بل كفوهم مؤونة العمل وقاسموهم في ثمار أموالهم إجابة لقول الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم-:"هم قوم لا يعرفون العمل -أي: في الزراعة- فتكفونهم وتقاسمونهم الثمر" [1] .
-وقال ابن كثير في تفسيره قوله تعالى: {يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ} [الحشر: 9] : (أي: من كرمهم وشرف نفوسهم، يحبون المهاجرين ويواسونهم بأموالهم. وقوله: {وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا} [الحشر: 9] : أي: ولا يجدون في أنفسهم حسدًا للمهاجرين فيما فضلهم اللَّه بهم، من المنزلة والشرف والتقديم في الذكر والرتبة) [2] .
وقال القرطبي في معنى قوله تعالى: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [الحشر: 9] : (الإيثار هو تقديم الغير على النفس وحظوظها الدنيوية ورغبة في الحظوظ الدينية، وذلك ينشأ عن قوة اليقين، وتوكيد المحبة، والصبر على المشقة، يقال: آثرته بكذا، أي: خصصته به وفضلته) [3] ، وساق شواهد عدة على ذلك من تطبيقات الأنصار رضوان اللَّه عليهم، مما يؤكد أن أخوة الدين هي التي جعلت الأنصار يفتحون قلوبهم لإخوانهم المهاجرين قبل أن يفتحوا منازلهم [4] .
(1) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم: (4/ 338) ، مرجع سابق، وذكر الواحدي: أسباب النزول: ص: (393) ، مرجع سابق: أن الأنصار قالوا: يا رسول اللَّه، اقسم بيننا وبين إخواننا من المهاجرين الأرض نصفين قال:"لا، ولكنهم يكفونكم المؤونة وتقاسمونهم الثمرة، والأرض أرضكم"قالوا: رضينا. فأنزل اللَّه تعالى {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ} [الحشر: 9] لكن الشاهد في سياق القصة ما أثبت أعلاه، وربما حدث هذا وذاك والتحقيق في ذلك أمر يخرج عن سياق البحث.
(2) تفسير القرآن العظيم: (4/ 337) ، مرجع سابق.
(3) الجامع لأحكام القرآن: (18/ 18، 19) ، مرجع سابق.
(4) انظر: المرجع السابق نفسه: (18/ 17 - 20) . وانظر: محمود محمد بابللي: معاني الأخوة في الإسلام: ص: (50) ، مرجع سابق.