الصفحة 73 من 163

إن من سولت له نفسه بامتطاء صهوة معارضته منهم كمسيلمة [1] مال في خرافاته وشططه ونهج نهجا لم يأت به أحد قبله ولا بعده وذلك حينما ألف كلاما حسبه نظما موسيقيا أو بابا منه وكلها ضروب من الحماقة يعارض بها أوزان القرآن في تراكيبه، ويجنح في أكثرها إلى سجع الكهان؛ لأنه كان يحسب النبوة ضربًا من الكهانة، فيسجع كما يسجعون.

"ومن قرآنه الذي زعمه قوله -أخزاه الله: والمبذرات زرعًا، والحاصدات حصدًا، والذاريات قمحًا، والطاحنات طحنًا، والعاجنات عجنًا، والخابزات خبزًا، والثاردات ثردًا، واللاقمات لقمًا، إهالة وسمنًا. وكل كلامه على هذا النمط واهٍ سخيف لا ينهض ولا يتماسك، بل هو مضطرب النسج, مبتذل المعنى، مستهلك من جهتيه." [2] ولقد كان لهذا النظم الأثر البالغ في تصفًية طباع البلغاء بعد الإسلام وتولى تربية الذوق الموسيقي اللغوي فيهم.

"ولولا القرآن الكريم وهذا الأثر من نظمه العجيب لذهب العرب بكل فضيلة في اللغة ولم يبق بعدهم للفصحاء إلا كما بقي من بعد هؤلاء في العامية، بل لمَا بقيت اللغة نفسها ولو نزل القرآن الكريم بغيراللغة العربية لكان ضربا من الكلام البليغ إلى أهل اللغات الأخرى ولكنه انفرد بهذا الوجه للعجز فتألقت كلماته من حروف لو سقط واحد منها أو أُبدل بغيره أو أُقحم معه حرف آخر لكان ذلك خللا بيٍنا أو ضعفا ظاهرا في نسق الوزن وجرس النغمة وفي حس السمع وذوق اللسان وفي انسجام العبارة وبراعة المخرج وتساند الحروف وإفضاء بعضها إلى بعض ولرأيت لذلك هجنة [3] في السمع كالذي تنكره من كل مرئي لم تقع أجزاؤه على ترتيبها ولم تتفق على طبقاتها وخرج بعضها طولا وبعضها عرضا وذهب ما بقي منها إلى جهات متنا كرة."

ومما انفرد به القرآن الكريم وباين سائر الكلام أنه لا يَخْلقُ على كثرة الرد وطول التكرار ولا تمل منه الإعادة وكلما أخذت فيه على وجهه الصحيح فلم تُخل بأدائه

(1) هو مسيلمة بن ثمامة بن كبير بن حبيب الحنفي الوائلي متنبئ من المعمرين ولد ونشأ باليمامة في القرية المسماة اليوم بالجبيلة بوادي حنيفة في نجد تلقب في الجاهلية وعرف برحمان اليمامة وهو أول من ادعى النبوة وأرسل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره بأنه شريك معه في الأمر وله نصف الأرض ولقريش نصفها وذلك في سنة 10هـ وقتل لعنه الله سنة 12 هـ في موقعة اليمامة بقيادة خالد بن الوليد (الأعلام ج7/ 226) و (الكامل لابن الأثير ج2/ 137 - 140) و (سيرة ابن هشام ج 3/ 74)

(2) دراسات في علوم القرآن لمحمد بكر إسماعيل (المتوفى: 1426هـ) الناشر: دار المنار

الطبعة: الثانية 1419هـ عدد الأجزاء: 1ج /35

(3) الهجنة: وكان هجينا - والكلام وغيره: صار معيبا ومهزولا - (المعجم الوجيز) ص645.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت