الخاصة الأولى:
مسحة القرآن الكريم اللفظية، فإنها مسحة خلابة تتجلى في نظامه الصوتي وجماله اللغوي.
1 -ونريد بنظام القرآن الصوتي، اتساق القرآن الكريم وائتلافه في حركاته وسكناته ومداته وغناته، واتصالاته وسكناته، اتساقا عجيبًا، وائتلافًا رائعًا، يسترعي الأسماع ويستوي النفوس، بطريقة لا يمكن أن يصل إليها أي كلام آخر من منظوم ومنثور، وبيان ذلك أن من ألقى سمعه إلى مجموعة القرآن الكريم الصوتية، يشعر من نفسه ولو كان أعجميًا لا يعرف العربية، بأنه أمام لحن غريب وتوقيع عجيب، يفوق في حسنه وجماله كل ما عرف من توقيع الموسيقى وترانيم الشعر [1] ، لأن الموسيقى تتشابه أجراسها وتتقارب أنغامها فلا يفتأ السمع أن يملها، والطبع أن يمجها، ولأن الشعر تتحد فيه الأوزان وتتشابه القوافي في القصيدة الواحدة غالبًا وإن طالت على نمط يورث سامعه السأم والملل، بينما سامع لحن القرآن الكريم لا يسأم ولا يمل؛ لأنه يتنقل فيه دائما بين ألحان متنوعة، وأنغام متجددة على أوضاع مختلفة يهز كل وضع منها أوتار القلوب وأعصاب الأفئدة.
وهذا الجمال الصوتي أو النظام التوقيعي، هو أول شيء أحسته الآذان العربية أيام نزول القرآن الكريم حتى خيل إلى هؤلاء العرب أن القرآن الكريم شعر، لأنهم أدركوا في إيقاعه وترجيعه لذة، وأخذتهم من لذة هذا الإيقاع والترجيع هزة، لم يعرفوا شيئا قريبًا منها إلا في الشعر، ولكن سرعان ما عادوا على أنفسهم بالتخطئة فيما ظنوا حتى قال قائلهم -وهوالوليد بن المغيرة [2] : وما هو بالشعرمعللًا ذلك بأنه ليس على أعاريض الشعر في رجزه [3] ولا في قصيده، بيد أنه تورط في خطأ
(1) انظر مناهل العرفان في علوم القرآن للإمام محمد عبد العظيم الزُّرْقاني 2/ 310
(2) الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم أبوعبد شمس من قضاة العرب في الجاهلية ومن زعماء قريش وكان عدلها , وكان ممن حرم الخمر على نفسه وعياله وهومن أشار على قريش أن تتحد كلمتهم في (محمد) بأن يقولوا إنه ساحر لأنه فرق بين المرء وزوجه وولده وهو والد خالد بن الوليد (الأعلام) للزريكلي ج 8/ 122
(3) العَرُوضُ: مِيزَانُ الشِّعْرِ، كَمَا فِي الصّحاح، سُمِّيَ بِهِ لأَنَّهُ بِهِ يَظْهَرُ المُتَّزِنُ مِنَ المُنْكَسِر عِنْدَ المُعَارَضَةِ بِهَا. تاج العروس من جواهر القاموس المؤلف: محمّد بن محمّد بن عبد الرزّاق الحسيني، أبو الفيض، الملقّب بمرتضى، الزَّبيدي (المتوفى: 1205هـ) المحقق: مجموعة من المحققين الناشر: دار الهداية باب عرض ج 18/ 379
-و (الرَّجَزُ) بِفَتْحَتَيْنِ ضَرْبٌ مِنَ الشِّعْرِ (رَجَزَ الرَّاجِزُ) مِنْ بَابِ نَصَرَ وَ (ارْتَجَزَ) أَيْضًا. مختار الصحاح المؤلف: زين الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الحنفي الرازي (المتوفى: 666هـ) المحقق: يوسف الشيخ محمد الناشر: المكتبة العصرية - الدار النموذجية، بيروت - صيدا الطبعة: الخامسة، 1420هـ / 1999م عدد الأجزاء: 1 باب رجز 1/ 118