الصفحة 50 من 163

إنها طريقة مستقيمة لا عوج فيها، ولا تناقض ولا اختلاف، تسلك بالناس مسالك الهدى من غير تكلُّف ولا اعتساف، وتأخذ بتلابيب عقولهم إلى التأمُّل والنظر في الحجج الساطعة التي يأتي بها الواقع المشاهَد، بحيث لا يسع أحد إنكاره أو المراء فيه، إلّا من سفه نفسه، وألغى عقله، وتخلى عن فطرته التي فطره الله عليها.

فأسلوب القرآن الكريم في الإقناع ممتِع، يملك على المؤمنين أفئدتهم، فتلين وتخشع من خشية الله، وتستنير بنور الإيمان الذي يزداد كلما تُلِيَت آياته بتدبُّر وتبصُّر.

قال تعالى: {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا، يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا} الجن 72/ 2،1.

ولهذا الأسلوب القرآني خصائصه الفنية، وسماته البلاغية، ولطائفه اللغوية، وسوانحه العقلية، وتأثيره الخاص في النفوس السوية، وفي النفوس الجامحة أيضًا.

وله جمال يعرف ولا يوصف، فمهما قيل فيه فهو أسمى وأرفع من أن تحيط بكنهه العقول، أو تعبِّر عنه ألسنة المتكلِّمين أو أقلام الكاتبين.

ولكن لا بُدَّ أن ندلي بدلونا المتواضع مع أولئك الذين سبقونا إلى الحديث المستفيض عن هذه الخصائص والسمات، واللطائف والسوانح، فنتكلم عنها من خلال كلامهم، ونشهد معهم بما شهدوا به على طلاوة أسلوب القرآن وجلاله, بعد أن ذقنا شيئًا من حلاوة ألفاظه, وعرفنا شيئًا عن سلامة منطقة، وبراعة تعبيره، ودقة تصويره، وروعة بيانه.

وينبغي أن نقرِّرَ بادئ ذي بدء أن خصائص القرآن التي تميَّزَ بها عن غيره من الكتب السماوية بوجه خاص، وعن كلام الناس بوجه عام، فجعلته معجِزًا في بيانه وتشريعه. قد أفاض في ذكرها الأدباء والبلغاء من أصحاب الملكات الفريدة، والمواهب الفذة، فكانوا بين مقلٍّ في سردها ومكثِر، ولكن لم يقل واحد منهم إنه قد أحاط بما لديه خبرًا، بل إنهم جميعًا لم يقدموا لنا من هذه الخصائص إلا قطرة من بحر، فلم يزيدوا على أن قرَّبوا لنا البعيد بِضَرْبٍ من التمثيل بغية الإيضاح والتبيين.

ويبقى القرآن أبدًا هو الكتاب الذي لا تنتهي عجائبه, ولا تنقضي غرائبه، ولا تبلى جدته، ولا يمله قارئوه ولا سامعوه.

ونحن إذا سمحنا لأنفسنا أن نتكلَّم عن بعض هذه الخصائص القرآنية, فإنما نذكر على وجه التمثيل والتقريب أيضًا، وما لا يدرك كله لا يترك أقله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت