... الرابع: أن منهج ابن سنان في كتابه كل لا يتجزأ ، فلا يمكن فصل أى جزء منه وقراءته دون الإلمام بأوراق الكتاب مجتمعة ؛ لأنه يبحث عن ماهية الفصاحة ، فاستلزم ذلك منه أن يتدرج في بحثه من الصوت حتى يصل إلى النظم والتركيب والتأليف ، ولذلك لم يهتم بالقاعدة والتعريفات والتقسيمات اهتمام السكاكى بها ، ولم يحلل بعض النصوص أو يبين مواطن الجمال فيها كما صنع عبد القاهر في أكثر شواهده ؛ لأنه يضع نصب عينيه الوصول إلى حقيقة الفصاحة ، وقد كان له ذلك ، وقد حال ذلك دون شهرته ؛ لأن أكثر من تأثروا به وأخذوا عنه ، كان في فصاحة الكلمة وشروطها وكذلك فصاحة الكلام ، ولم يهتم المتأخرون بذلك ، فجعلوا الفصاحة مقدمة لعلوم البلاغة الثلاثة ، ومنهم من وضعها في ذيل البلاغة كالسكاكى.
... الخامس: ولعل من الأسباب الهامة التى حالت دون شهرة ابن سنان قوله"إن القرآن معجز بالصرفة"، فكان أكثر من يأخذون عنه لا يصرحون باسمه لهذا السبب ، ظنًّا منهم أن هذا الرأى الذى برأته منه ربما يقلل من قيمة ما أخذوه وارتضوه .
... * أما السبب في عدم شهرة الإمام البحرانى ، فلعل ذلك يرجع إلى أنه يهتم بالناحية الدينية قبل أن يكون بلاغيا ، فلم يكن له في البلاغة سوى المقدمة التى مهد بها لشرح كلام الإمام على لذلك يقول محقق الكتاب:
..."كيف ينفرد بالإشارة إلى هذا الكتاب ، ونسبته إلى الشيخ ميثم البحرانى من ترجم له من غير البحرانيين ، في حين أن أحدًا من البحرانيين لا يشير إلى الكتاب ولا نسبته للشيخ ميثم من قريب أو بعيد [1] ".
... فالبحرانى لم يكن معروفًا عند البلاغيين ، كمؤلف في البلاغة ؛ لأن المسائل البلاغية عنده لم تكن هدفًا ، ولكنه استعان بها على شرح كلام الإمام على ، ولذلك جعلها مقدمة لشرحه على نهج البلاغة .
... ... ... ... ... ... ... ... ... والله أعلم .
(1) أصول البلاغة ـ مقدمة المحقق ص 17 .