السجع أعلى درجات الكلام على ما ذهبت إليه فكان ينبغى أن يأتى القرآن كله مسجوعًا ، وليس الأمر كذلك ، بل منه المسجوع وغير المسجوع قلت في الجواب: إن أكثر القرآن مسجوع ، حتى إن السورة لتأتى كلها مسجوعة ، وما منع أن يأتى القرآن كله مسجوعًا إلا أنه سلك به مسلك الإيجاز والاختصار ، والسجع لا يواتى في كل موضع من الكلام على حد الإيجاز والاختصار ، فترك استعماله في جميع القرآن لهذا السبب [1] "."
... ثم يذكر سببًا آخر فيقول:
"وها هنا وجه آخر هو أقوى من الأول ، ولذلك ثبت أن المسجوع من الكلام أفضل من غير المسجوع ، وإنما تضمن القرآن غير المسجوع ؛ لأن ورود غير المسجوع معجزًا ، أبلغ في باب الإعجاز من ورود المسجوع ، ومن أجل ذلك تضمن القرآن القسمين جميعًا [2] ".
... لقد ورَّط ابن الأثير نفسه بسؤاله الذى افترضه ، وبالغ في الأخذ برأى ابن سنان في القول بقبول السجع في القرآن ، ولا أدرى وجهًا لتفسيره غير المسجوع في القرآن بما ذكر .
... والحقيقة أن في القرآن السجع وغير السجع ، ليس للأسباب التى ذكرها ابن الأثير ، ولكن ؛ لأن القرآن كلام الله المعجز الذى خرق العادة بفصاحته وبلاغته ، فلكل مقام عنده مقال ، يقول ابن سنان:
..."إن القرآن نزل بلغة العرب وعلى عرفهم وعاداتهم ، وكان الفصيح من كلامهم لا يكون كله مسجوعًا ، لما في ذلك من آمارات التكلف والاستكراه والتصنع ، لا سيما فيما يطول من الكلام ، فلم يرد مسجوعًا جريًا به على عرفهم في الطبقة العالية من كلامهم ، ولم يخل من السجع لأنه يحسن في بعض الكلام على الصفة التى قدمناها ، وعليها ورد في فصيح كلامهم ، فلم يجز أن يكون عاليًا في الفصاحة،"
وقد أخلّ فيه بشرط من شروطها ، فهذا هو السبب في ورود القرآن مسجوعًا وغير مسجوع [3] "."
(1) المثل السائر 214/1 .
(2) المصدر السابق نفس الصفحة .
(3) سر الفصاحة ص 174 ، والمشاهد في القرآن الكريم د/ حامد قنيبى ص 277 .