... لأنك إذا تأملت هذا البيت وجدته يجرى من بيت امرئ القيس مجرى الضد ، وذلك أن امرأ القيس عبر عما يجب أن يكنى عنه من المباضعة ، فكنى بأحسن كناية، وهذا عبر عما لا يجب أن يكنى عنه ، فأتى بألفاظ يجب أن يكنى عنها" [1] "
... وهذا الكلام لم يرق أحد المحدثين فراح يقول:"والذى نلحظه عند ابن سنان أنه أوجبها في المواضع التى يقبح ذكرها ، الأمر الذى جعله يعتبر استعمالها في مواضع أخرى خروجًا عن حسنها ؛ لأنه كناية فيما لا كناية فيه ... ولو سلمنا له ذلك نكون قد حصرنا أسلوب الكناية في ستر الأساليب التى يستقبح ذكرها فقط ، وأسلوب الكناية أكبر من ذلك وأرحب" [2] .
... ومع يقينى أن أسلوب الكناية من الأساليب الرحبة المتسعة ، إلا أن ابن سنان لم يصرح بحصر الكناية في ستر الأساليب ، ولم يفهم من كلامه ذلك ، ولكنه أدرك أن الكناية أسلوب له سياقه الخاص به ، ولذلك عده من وضع الألفاظ في مواضعها وفصله عن"الإرداف والتتبيع"، فالكناية عنده من الأساليب التى يجب أن توضع فيها الألفاظ في مواضعها حتى تحقق الفصاحة والبلاغة ، وإلا فسد التعبير وخلا من كل جمال ، وأصبح ركيكًا مبتذلًا فيخرج عن الفصاحة والبلاغة .
... وهذا الكلام مما لا يرتاب في صحته ، ويجب أن نقبله من ابن سنان دون تفكير ، ولا يجب أن نفسر كلامه تفسيرًا آخر .
... كما أنه لا يشك أحدٌ في أن بيت المتنبى السابق من الكنايات المعيبة ، فقد جعلها أبو هلال العسكرى من شنيع الكنايات [3] .
ويقول عنها ابن الأثير:
(1) سر الفصاحة ص 166 ، وقد نقل الطوفى وابن الأثير كناية المتنبى عن ابن سنان واتفقا معه في قبحها (الإكسير ص 129 الجامع الكبير ص 166 ) .
(2) الكناية في الشعر الجاهلى ص 33 .
(3) الصناعتين ص 410 ، يقول الصاحب بن عباد عن كناية المتنبى:"كثير من العهر أحسن عندى من هذا العفاف" (المثل السائر هامش 71/3) .