... وإذا كان السر في بلاغة المجاز المرسل يكمن فى"الاتساع ، والمبالغة والتوكيد ، وتعدد علاقاته ، بالإضافة إلى الأسرار الأخرى الخاصة وراء كل علاقة من علاقاته" [1] .
... أقول: إذا صح ذلك ـ مع أنه مما لا يرتاب في صحته ـ ، فإن المجاز المرسل لون خاص من ألوان التعبير ، له طعم خاص ، يختلف عن الاستعارة والتشبيه والكناية ، يحتاج إلى تأمل ؛ لأنه لا يحس به ولا يعرفه إلا من أوتى ذوقًا خاصًا يميزه عن غيره .
... لكل هذه الأمور ـ وغيرها ـ فإن المجاز المرسل ليس في وضوح التشبيه والاستعارة ، ولذلك فابن سنان له الحق في إهماله حيث يبحث عن"الوضوح"الذى هو أهم أسرار الفصاحة .
... وهذا لا يعنى تجريد"المجاز المرسل"من قيمته الفنية ... كيف وقد جاء في القرآن الكريم ... ولكن منهج ابن سنان يحتم عليه إيثار بعض المسائل البلاغية على بعض ، وله العذر في ذلك .
... ومن الشواهد التى ذكرها ابن سنان التى تفيد إحساسه بالمجاز المرسل ومعرفته له قول الله تعالى: { وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيَّئَةٌ مِثْلُهَا } [2] . كان هذا وهو بصدد الرد على القاضى الجرجانى الذى جعل بيت المتنبى من مقابلة اللفظ باللفظ ، فقال ابن سنان:"إن مقابلة اللفظ باللفظ على ما أراده مجاز ، والمجاز لا يقاس عليه ، وليس يحسن بنا أن نقابل اللفظ باللفظ في كل موضع من الكلام قياسًا على مقابلة اللفظ باللفظ في قوله تعالى: { وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيَّئَةٌ مِثْلُهَا } ، كما لا يجوز منا أن نحذف المضاف ونقيم المضاف إليه مقامه أبدًا اتباعًا لقوله عز اسمه: { وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِى كُنَّا فِيهَا } [3] ، والمراد أهل القرية" [4]
(1) السابق بتصرف قليل ص 386 .
(2) سورة الشورى ، آية: 40 .
(3) سورة يوسف ، آية: 82 .
(4) سر الفصاحة ص 132 .