... أَلَمْ تَكُ فِى يُمْنَى يَدَيْكَ جَعَلْتَنى ... فَلا تَجْعَلَنِّى بَعْدَها فِى شِمالِكَا
... فأراد: إن كنت عنك مقدمًا فلا تؤخرنى ، ومقربًا فلا تبعدنى ، فعدل في العبارة عن ذلك إلى"أنى كنت في يمينك فلا تجعلنى في شمالك ؛ لأن هذا المثال أظهر إلى الحس [1] ."
... ومن أمثلة ذلك في النثر ما كتب به الوليد بن يزيد لما بُويع إلى مروان بن محمد ، وقد بلغه توقفه عن البيعة له:"أَمَّا بَعْدُ ، فإنّى أَرَاكَ تُقَدِّمُ رِجْلًا وَتُؤَخِّرُ أُخْرَى ، فَإِذَا أَتَاَكَ كِتَابِى هَذَا فَاعْتَمِدْ عَلى أيُّهُما شِئْتَ ، وَالسَّلاَمُ"، فعبر عن مراده بمثال أوضحه وأوجزه [2] .
... أما الموضع الثانى الذى تحدث فيه عن التمثيل ، فعند حديثه عن شروط صحة المعانى ، جعل منها"الاستدلال بالتمثيل" [3] .
... ومعناه عنده:"أن يزيد في الكلام معنى يدل على صحته ، بذكر مثال له ، نحو قول أبى تمام:"
... أَخْرَ جْتُمُوهُ بِكُرْهٍ مِنْ سَجِيَّتِهِ ... وَالنَّارُ قَدْ تُنْتَضَى مِنْ نَاضِرِ السَّلَمِ [4]
ومثل قوله:
... وَإِذا أّرَادَ اللَّهُ نَشْرَ فَضِيلَةٍ ... ... طُوِيَتْ أَتَاحَ لَهاَ لِسَانَ حَسُود
... لَوْلاَ اشْتِعَالُ النَّارِ فِيمَا جَاوَرَتْ ... ... مَا كَانَ يُعْرَفُ طِيبَ عُرْفِ الْعُود [5]
... والشاهد الثانى يصلح شاهدًا للتشبيه الضمنى ، بل هو مما استشهد به الإمام عبد القاهر [6] لتأثير التمثيل على النفس .
(1) سر الفصاحة ص 233 .
(2) سر الفصاحة ص 233 .
(3) راجع على سبيل المثال: الإيضاح: بتحقيق د/ محمد خفاجى 108/5 ، نظرات في البيان أ د/ محمد عبد الرحمن الكردى ص 231.
(4) ديوانه 189/3 .
(5) ديوانه بشرح التبريزى 397/1
(6) راجع: أسرار البلاغة للإمام / عبد القاهر الجرجانى ، ت/ د/ محمد عبد المنعم خفاجى 229/1 ، والمراد هنا تمثيل هيئة الفضيلة مع الحسود بهيئة العود مع النار .