فهرس الكتاب

الصفحة 52 من 221

وكم من نفوس تصبر للشدة وتتماسك،ولكنها تتراخى بالرخاء وتنحل.والنفس المؤمنة هي التي تصبر للضراء ولا تستخفها السراء،وتتجه إلى اللّه في الحالين،وتوقن أن ما أصابها من الخير والشر فبإذن اللّه.

وقد كان اللّه يربي هذه الجماعة - وهي في مطالع خطواتها لقيادة البشرية - فرباها بهذا الابتلاء بالشدة بعد الابتلاء بالرخاء،والابتلاء بالهزيمة المريرة بعد الابتلاء بالنصر العجيب - وإن يكن هذا وهذه قد وقعا وفق أسبابهما ووفق سنن اللّه الجارية في النصر والهزيمة.لتتعلم هذه الجماعة أسباب النصر والهزيمة.ولتزيد طاعة للّه،وتوكلا عليه،والتصاقا بركنه.ولتعرف طبيعة هذا المنهج وتكاليفه معرفة اليقين.

ويمضي السياق يكشف للأمة المسلمة عن جوانب من حكمة اللّه فيما وقع من أحداث المعركة،وفيما وراء مداولة الأيام بين الناس،وفيما بعد تمييز الصفوف،وعلم اللّه للمؤمنين: «وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ» ..

وهو تعبير عجيب عن معنى عميق - إن الشهداء لمختارون.يختارهم اللّه من بين المجاهدين،ويتخذهم لنفسه - سبحانه - فما هي رزية إذن ولا خسارة أن يستشهد في سبيل اللّه من يستشهد.إنما هو اختيار وانتقاء،وتكريم واختصاص ..إن هؤلاء هم الذين اختصهم اللّه ورزقهم الشهادة،ليستخلصهم لنفسه - سبحانه - ويخصهم بقربه.

ثم هم شهداء يتخذهم اللّه،ويستشهدهم على هذا الحق الذي بعث به للناس.يستشهدهم فيؤدون الشهادة.يؤدونها أداء لا شبهة فيه،ولا مطعن عليه،ولا جدال حوله.يؤدونها بجهادهم حتى الموت في سبيل إحقاق هذا الحق،وتقريره في دنيا الناس.يطلب اللّه - سبحانه - منهم أداء هذه الشهادة،على أن ما جاءهم من عنده الحق،وعلى أنهم آمنوا به،وتجردوا له،وأعزوه حتى أرخصوا كل شيء دونه وعلى أن حياة الناس لا تصلح ولا تستقيم إلا بهذا الحق وعلى أنهم هم استيقنوا هذا،فلم يألوا جهدا في كفاح الباطل وطرده من حياة الناس،وإقرار هذا الحق في عالمهم وتحقيق منهج اللّه في حكم الناس ..يستشهدهم اللّه على هذا كله فيشهدون.وتكون شهادتهم هي هذا الجهاد حتى الموت.وهي شهادة لا تقبل الجدال والمحال! وكل من ينطق بالشهادتين:شهادة أن لا إله إلا اللّه وأن محمدا رسول

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت