فهرس الكتاب

الصفحة 191 من 221

الحجة،وأن يذعنوا للبرهان العقلي والفطري.وإذا هم يتركون الجدل إلى التحدي: «قالُوا:يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا،فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا،فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ» ..

إنه العجز يلبس ثوب القدرة،والضعف يرتدي رداء القوة والخوف من غلبة الحق يأخذ شكل الاستهانة والتحدي: «فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ» ..

وأنزل بنا العذاب الأليم الذي أنذرتنا به فلسنا نصدقك،ولسنا نبالي وعيدك.

أما نوح فلا يخرجه هذا التكذيب والتحدي عن سمت النبي الكريم،ولا يقعده عن بيان الحق لهم،وإرشادهم إلى الحقيقة التي غفلوا عنها وجهلوها في طلبهم منه أن يأتيهم بما أوعدهم،وردهم إلى هذه الحقيقة وهي أنه ليس سوى رسول،وليس عليه إلا البلاغ،أما العذاب فمن أمر اللّه،وهو الذي يدبر الأمر كله،ويقدر المصلحة في تعجيل العذاب أو تأجيله،وسنته هي التي تنفذ ..وما يملك هو أن يردها أو يحولها ..إنه رسول.

وعليه أن يكشف عن الحق حتى اللحظة الأخيرة،فلا يقعده عن إبلاغه وبيانه أن القوم يكذبونه ويتحدونه: «قالَ:إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شاءَ،وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ.وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي - إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ - إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ،هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ» ..

فإذا كانت سنة اللّه تقتضي أن تهلكوا بغوايتكم،فإن هذه السنة ستمضي فيكم،مهما بذلت لكم من النصح.

لا لأن اللّه سيصدكم عن الانتفاع بهذا النصح،ولكن لأن تصرفكم بأنفسكم يجعل سنة اللّه تقتضي أن تضلوا،وما أنتم بمعجزين للّه عن أن ينالكم ما يقدر لكم،فأنتم دائما في قبضته،وهو المدبر والمقدر لأمركم كله،ولا مفر لكم من لقائه وحسابه وجزائه: «هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ» ..

وعند هذا المقطع من قصة نوح،يلتفت السياق لفتة عجيبة،إلى استقبال مشركي قريش لمثل هذه القصة،التي تشبه أن تكون قصتهم مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - ودعواهم أن محمدا يفتري هذا القصص.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت