كذلك حتى ذلوا هم الآخرون واستخفهم فرعون! ضربت أبشارهم في عهود الطاغوت الفرعوني ثم ضربت أبشارهم في عهود الطاغوت الروماني ..ولم يستنقذهم من هذا الذل إلا الإسلام،يوم جاءهم بالحرية فأطلقهم من العبودية للبشر بالعبودية لرب البشر ..
فلما أن ضرب ابن عمرو بن العاص - فاتح مصر وحاكمها المسلم - ظهر ابن قبطي من أهل مصر - لعل سياط الرومان كانت آثارها على ظهره ما تزال - غضب القبطي لسوط واحد يصيب ابنه - من ابن فاتح مصر وحاكمها - وسافر شهرا على ظهر ناقة،ليشكو إلى عمر بن الخطاب - الخليفة المسلم - هذا السوط الواحد الذي نال ابنه! - وكان هو يصبر على السياط منذ سنوات قلائل في عهد الرومان - وكانت هذه هي معجزة البعث الإسلامي لنفوس الأقباط في مصر،وللنفوس في كل مكان - حتى لمن لم يعتنقوا الإسلام - كانت هذه هي معجزة هذا البعث الذي يستنقذ الأرواح من ركام آلاف السنين من الذل القديم،فتنتفض هكذا انتفاضة الكرامة التي أطلقها الإسلام في أرواحهم وما كان غير الإسلام ليطلقها في مثل هذه الأرواح.
عملية استصلاح نفوس بني إسرائيل من ذل الطاغوت الفرعوني هي التي سيواجهها موسى عليه السلام في هذه الحلقة - بعد خروجه ببني إسرائيل من مصر وتجاوزه بهم البحر - وسنرى من خلال القصص القرآني هذه النفوس،وهي تواجه الحرية بكل رواسب الذل وتواجه الرسالة بكل رواسب الجاهلية وتواجه موسى - عليه السلام - بكل الالتواءات والانحرافات والانحلالات والجهالات التي ترسبت فيها على الزمن الطويل! وسنرى متاعب موسى - عليه السلام - في المحاولة الضخمة التي يحاولها وثقلة الجبلات التي أخلدت إلى الأرض طويلا،حتى ما تريد أن تنهض من الوحل الذي تمرغت فيه طويلا،وقد حسبته الأمر العادي الذي ليس غيره! وسنرى من خلال متاعب موسى - عليه السلام - متاعب كل صاحب دعوة،يواجه نفوسا طال عليها الأمد،وهي تستمرئ حياة الذل تحت قهر الطاغوت - وبخاصة إذا كانت هذه النفوس قد عرفت العقيدة التي يدعوها إليها،ثم طال عليها الأمد،فبهتت صورتها،وعادت شكلا لا روح فيه! إن جهد صاحب الدعوة - في مثل هذه الحال - لهو جهد مضاعف. ومن ثم يجب أن يكون صبره مضاعفا كذلك ..