و «المتمسلمين» ! يقولون هذا القول فيسمى الآن «علما» و «بحثا» و «تحقيقا» لا يبلغه إلا المستشرقون!
فأما الذين «يعلمون» حقا،فإن تصريف الآيات على هذا النحو يؤدي إلى بيان الحق لهم فيعرفونه: «وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ» ..
ثم تقع المفاصلة بين قوم مبصرين يعلمون،وقوم عمي لا يعلمون! ويصدر الأمر العلوي للنبي الكريم،وقد صرف اللّه الآيات،فافترق الناس في مواجهتها فريقين .. يصدر الأمر العلوي للنبي - صلى الله عليه وسلم - أن يتبع ما أوحي إليه،وأن يعرض عن المشركين،فلا يحفلهم ولا يحفل ما يقولون من قول متهافت،ولا يشغل باله بتكذيبهم وعنادهم ولجاجهم. فإنما سبيله أن يتبع ما أوحي إليه من ربه فيصوغ حياته كلها على أساسه ويصوغ نفوس أتباعه كذلك. ولا عليه من المشركين فإنما هو يتبع وحي اللّه،الذي لا إله إلا هو،فماذا عليه من العبيد؟! «اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ،وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ» .. ولو شاء اللّه أن يلزمهم الهدى لألزمهم،ولو شاء أن يخلقهم ابتداء لا يعرفون إلا الهدى كالملائكة لخلقهم.ولكنه سبحانه خلق الإنسان بهذا الاستعداد للهدى وللضلال،وتركه يختار طريقه ويلقى جزاء الاختيار - في حدود المشيئة المطلقة التي لا يقع في الكون إلا ما تجري به،ولكنها لا ترغم إنسانا على الهدى أو الضلال - وخلقه على هذا النحو لحكمة يعلمها وليؤدي دوره في هذا الوجود كما قدره اللّه له. باستعداداته هذه وتصرفاته: «وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكُوا» ..
وليس الرسول - صلى الله عليه وسلم - مسؤولا عن عملهم،وهو لم يوكل بقلوبهم فالوكيل عليها هو اللّه: «وَما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا،وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ» ..
وهذا التوجيه لرسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - يحدد المجال الذي يتناوله اهتمام الرسول - صلى الله عليه وسلم - وعمله. كما يحدد هذا المجال لخلفائه وأصحاب الدعوة إلى دينه في كل أرض وفي كل جيل ..
إن صاحب الدعوة لا يجوز أن يعلق قلبه وأمله وعمله بالمعرضين عن الدعوة،المعاندين،الذين لا تتفتح قلوبهم لدلائل الهدى وموحيات الإيمان .. إنما يجب أن يفرغ قلبه،وأن يوجه أمله وعمله للذين سمعوا واستجابوا.