الشعر هو فن الكلام الموقع على نسق معين، وبذلك فإنه يشترك مع الموسيقى، التي هي فن النغم، في أكثر عناصرها رسوخًا وهو الإيقاع. وقد لحظ ابن سينا هذه الصلة حين عرّف الإيقاع بقوله:
"الإيقاع هو تقدير ما لزمان النقرات، فإذا اتفق أن كانت النقرات منغمة كان الإيقاع لحنيًا. وإن اتفق أن كانت النقرات محدثة للحروف المنتظم منها كلام كان الإيقاع شعريًا، وهو بنفسه إيقاع مطلقًا [1] ".
ومع ذلك فلكل من الشعر والموسيقى تقديره الخاص لزمان هذه النقرات، وهو ما يُعبّر عنه بالوزن الذي يرى البعض أنه صورة من الإيقاع. ويرجع الاختلاف في التقدير إلى اختلاف التعبير الصوتي عن النقرات في كلا الفنين. فالمقطع اللغوي في الشعر يعبر عن نقرة واحدة، وربما كان زمانها يسمح بانقسامها إلى نقرتين متواليتين في زمن لا يزيد عن زمن النقرة المتصلة، ولكن لا تستطيع أن تبلغ بالانقسام إلى أكثر من ذلك. وأما النغمة في الموسيقى فتملك من الحرية ما يمكنها من الانقسام إلى أجزاء متناهية في الصغر، ولذا فإن الوزن الموسيقي يسمح بائتلاف أي عدد منها يتحقق به التساوي الرياضي في قسمة النغم.
ويبلغ الإيقاعان الشعري والموسيقي غاية ائتلافهما معًا حين يُشرَع في الغناء؛ وعندئذ يصبّان في لحن واحد، مما يؤكد قول الشاعر القديم:
تَغَنّ بالشعر إمّا كنتَ قائلهُ ... إنّ الغناء لهذا الشعر مِضمارُ
فاللحن، أساسًا، يعمل على تهيئة الترتيب الملائم لمقاطع الكلام بحيث تتخذ النسق الوزنيّ الخاص بها، ومع اطراد النظم عليه، بمعرفة النغمة التي تخصه، يصبح وزنًا مقبولًا في الذوق العام.
ولا شك أن نشأة الشعر، في أساسها، ارتبطت بالغناء سواء كان ذلك ممثلًا بالحداء الذي جاء أكثره على بحر الرجز، أو في أهازيج العمل والقتال وما أشبهها، مما أضاف إلى ذخيرة الوزن أنساقًا باتت مقبولة للنظم في أي غرض يشاؤه الشاعر الذي انتقل من الغناء إلى الإنشاد بعد أن ترسخت الأوزان في ذاكرته.
والإنشاد هو فن للأداء الشعري أقل تكلفا من الغناء وأيسر شروطا في متطلباته؛ ومع ذلك فلم يكن إلا قلة من الشعراء يجيدونه؛ لأنه كالخطابة يحتاج إلى ملكة التأثير وتوصيل الأحاسيس، بل ويفوقها في تسخيره للإيقاع الذي يحدث تأثيرا شبه منوّم على المتلقين. وفي رأيي أن الإنشاد الجيد يكشف عيوب الوزن أكثر مما يكشفها الغناء الذي قد يغطي هذه العيوب عبر
(1) كتاب الشفاء - جوامع علم الموسيقى: 81، تحقيق: زكريا يوسف، القاهرة 1956 م.