فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 82

الجنة، وفي المقابل هم على الباطل وقتالهم لنصرة كلمة الشيطان وقتلاهم في النار، وشتان شتان ما بين الفريقين.

وفي قول الله - عز وجل: {إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} قصد به تهييج غيرتهم على الإيمان والاستزادة من شُعبه لتزداد شعب النصر.

ثم سلَّاهم سبحانه وتعالى بما حصل لهم من الهزيمة، وبيَّن الحكم العظيمة المترتبة على ذلك، فقال: {إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ} والقرح: -بالفتح- الجراحة، -وبالضم- ألم الجراح.

والمعنى: إن نالوا منكم يوم أحد فقد نلتم منهم قبله يوم بدر، ثم لم يضعفوا، هم لم يضعفوا بعد ما نالهم يوم بدر، وقلوبهم لا زالت تتحرق ولم تثبطهم الهزيمة عن معاودة الكرة لقتال المسلمين! وأنتم أحق بأن لا تضعفوا فإنكم ترجون من الله ما لا يرجون.

والمراد: إن كان مسكم قرح فذلك لا يصحح عذركم وتقاعدكم عن الجهاد بعد؛ لأنه قد مس أعداءكم مثله وهم على ما هم عليه من الحنقة والحقد والسعي لاستئصال شأفة المسلمين، ففي الآية الكريمة تسلية عما أصاب المسلمين يوم أحد من الهزيمة بأن ذلك غير عجيب في الحرب إذ لا يخلو جيش من أن يَغلب أو يُغلب والأيام دول.

قال الله - عز وجل: {إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ}

ومن الحِكم في ذلك أن هذه الدار يعطي الله - عز وجل - منها المؤمن والكافر والبر والفاجر فيداول الله - عز وجل - الأيام بين الناس، والدنيا في الأخير فانية بخلاف دار الآخرة فإنها باقية وخالصة لعباده المؤمنين {وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ}

"الرسل تُبتلى ثم تكون لهم العاقبة"وهذا من أعلام الرسل، كما قال هرقل لأبي سفيان حين سأله:"هل قاتلتموه؟ قال: نعم. قال: كيف الحرب بينكم وبينه؟ قال: سِجال، يُدال علينا المرة، ونُدال عليه الأخرى. قال: كذلك الرسل تُبتلى ثم تكون لهم العاقبة".

وفي هذه المداولة حكمة {وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا} يبتلي الله - عز وجل - عباده بالهزيمة والابتلاء والضيق والشدة والعسر؛ ليتبين المؤمن من المنافق فلو استمر النصر للمؤمنين في جميع الوقائع لدخل في الإسلام من لا يريده، وإذا حصل في بعض الوقائع بعض أنواع الابتلاء تبين المؤمن حقيقة الذي يرغب في الإسلام زورًا.

والسراء والضراء واليسر والعسر هي التي تبين حقائق الناس، ويُعلم المنافق عن رؤية ومشاهدة بعد أن كان معلومًا في غيب الله - عز وجل - فقط، وذلك العلم الغيبي لا يترتب عليه ثواب ولا عقاب وإنما يترتب على المعلوم إذا صار مشاهدًا واقعًا في الحسِّ.

ثم {وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ} وكنى الله - عز وجل - بالاتخاذ عن الإكرام؛ لأن من اتخذ شيئًا لنفسه فقد اختاره وارتضاه، فالمعنى: ليكرم الله سبحانه وتعالى أناسًا منكم بالشهادة؛ لأن الشهادة عند الله من أرفع المنازل ولا سبيل لنيلها إلا بما يحصل من وجود أسبابها، فهذا من رحمته بعباده المؤمنين، أن قيَّض لهم من الأسباب ما تكرهه نفوسهم ليُنيلهم ما يحبون من المنازل العالية والنعيم المقيم.

{وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} الذين ظلموا أنفسهم وتقاعدوا عن القتال في سبيل الله - عز وجل -، وكأن في هذا تعريض بذم المنافقين كابن أُبيّ وأتباعه الذين فارقوا جيش الإسلام، وأنهم مبغضون لله، ولهذا ثبطهم عن القتال في سبيله.

قال ابن القيم رحمه الله في هذه الآية:"تنبيه لطيف الموقع جدًا على أن كراهته وبغضه للمنافقين الذين انخزلوا عن نبيه يوم أحد فلم يشهدوه، ولم يتخذ منهم شهداء؛ لأنه لم يحبهم،"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت