-واستحقاق النصر للصابرين والمحق للمكذبين
سنة واحدة على مر التاريخ؛ ولهذا قال - عز وجل - بعدها: {هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ} والبيان: الإيضاح وكشف الحقائق الواقعة، أي: في هذا الأمر دلالة ظاهرة، تبين للناس الحق من الباطل، وتبين أهل السعادة من أهل الشقاوة، وهو الإشارة إلى ما أوقع الله - عز وجل - بالمكذبين.
إن ما جرى للمكذبين بالأمس -أي في التاريخ- سيجري مثله للمكذبين اليوم وغدًا كذلك؛ ذلك حتى تطمئن قلوب المسلمين إلى العاقبة، عاقبتهم من جهة، وكي تحذر الانزلاق مع المكذبين من جهة أخرى فتتنازل عن الحق وتركن للذين ظلموا، وقد كان هناك ما يدعو إلى الطمأنينة وما يدعو إلى الحذر كذلك.
{وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ} والهدى هو: الإرشاد إلى ما فيه خير الناس في الحال وفي الاستقبال، أي المآل. والموعظة هي: التحذير والتخويف، وهذا الهدى والموعظة -لمن؟ - للمتقين؛ لأنهم هم الذين ينتفعون بالآيات فتهديهم إلى سبيل الرشاد، وتعظهم وتزجرهم عن طريق الغي والفساد.
ففي الآية بيان لما غفلوا عنه من عدم التلازم بين النصر وحسن العاقبة، ولا بين الهزيمة وسوء العاقبة، وهي هدًى لهم؛ لينتزعوا المسببات من أسبابها فإن سبب النجاح حقًا هو الصلاح والاستقامة على أمر الله، وهي موعظة لهم؛ ليحذروا الفساد ولا يغتروا كما اغتر عاد إذ قالوا: {مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً}
والناس قلما ينقصهم العلم والمعرفة بالحق والباطل، إنما تنقصهم الرغبة في الحق وتنقصهم القدرة على اختيار طريق الحق .. والرغبة في الحق والقدرة على اختيار طريقه لا ينشئهما إلا الإيمان بالله، ولا يحفظهما إلا التقوى.
والإيمان والتقوى هما اللذان يشرحان القلب للهدي والهدى، ويزينان للقلب اختيار الهدى والنور والانتفاع بالموعظة والعبرة واحتمال مشاق الطريق، فكم ممن يعلمون ويعرفون ويحفظون وهم في حمأة الباطل يتمرغون إما خضوعًا لشهوة، وإما خوفًا من أذى ينتظر أصحاب الدعوة في طريق الدعوة.
{وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} أي: لا تضعفوا في أبدانكم عن الجهاد بما نالكم من الجراح والقتل.
والوهن: هو الضعف، وأصله ضعف الذات، وهو هنا مجاز في خور العزيمة وضعف الإرادة وانقلاب الرجاء يأسًا، والشجاعة جبنًا، واليقين شكًا؛ ولذلك نهوا عن هذا كله.
{وَلَا تَحْزَنُوا} في قلوبكم لما أصابتكم المصيبة، فإن الحزن في القلوب والوهن على الأبدان زيادة مصيبة على مصيبة وعون للعدو على المسلمين، والوهن والحزن حالتان للنفس تنشآن عن اعتقاد الخيبة فيترتب عليهما الاستسلام وترك المقاومة، بل شجعوا قلوبكم وصبروها، وادفعوا عنها الحزن وتصلبوا على قتال عدوكم.
لا ينبغي ولا يليق بالمسلمين الوهن والحزن وهم الأعلون في الإيمان ورجاء نصر الله وثوابه، فالمؤمن المتيقن بما وعده الله - عز وجل - به من الثواب الدنيوي والأخروي لا ينبغي له ذلك، ولهذا قال - عز وجل: {وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} أي: إن كنتم مؤمنين فلا تهنوا ولا تحزنوا، فإن الإيمان يوجب قوة القلب ويوجب الثقة بوعد الله - عز وجل - وعدم المبالاة بأعدائه.
أو إن كنتم مؤمنين فأنتم الأعلون، فإن الإيمان يقتضي العلو لا محالة وأنتم الغالبون دون أعدائكم فإن مصيرهم مصير أسلافهم المكذبين، فهو تصريح بعد الإشعار بالغلبة والنصر، أو المراد والحال أنكم أعلى منهم شأنًا فإنكم على الحق وقتالكم لإعلاء كلمة الله وقتلاكم في