الحلقة الرابعة:
الجنة ثمنها الصبر والجهاد
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على رسول الله الأمين، المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
اللهم اغفر لنا وارحمنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، أما بعد:-
إخواني، كنا قد تناولنا في الحصة السابقة الحكمة من تداول الأيام في الصراع بين الحق والباطل، وقلنا أن من وراء ذلك حِكم تتجلى في تصفية وتمحيص النفوس وتمحيص الصفوف، واليوم -إن شاء الله- سنحاول أن نكمل بعض الآيات التي جاءت في نفس السياق، فنقول والله - عز وجل - المستعان:
قال الله - عز وجل: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ} هذا استفهام إنكاري، وذلك أنهم لما مسّهم القرح يوم أحد فحزنوا واعتراهم الوهن، حيث لم يشاهدوا نفس النصر الذي شاهدوه يوم بدر، بيّنَ لهم الله - عز وجل - في هذه الآية أن دخول الجنة -الذي هو مرغوبهم- لا يحصل إذا لم يبذلوا نفوسهم في نصر هذا الدين، فأنكر عليهم سبحانه وتعالى حسبانهم وظنهم أن يدخلوا الجنة بدون الجهاد في سبيل الله - عز وجل - والصبر على أذى هذا الجهاد والصبر على أذى أعداء الله -تبارك وتعالى-، وأن هذا الظن الذي ظنوه ممتنع بحيث يُنكر على من ظنه وحَسِبه.
أي: لا تحسبوا أن تدخلوا الجنة دون أن تجاهدوا في سبيل الله - عز وجل - ودون أن تجاهدوا وتصبروا على عواقب الجهاد وطريق الجهاد وتعب الجهاد، وكلما عظم المطلوب عظمت وسيلته، والعمل الموصل إليه.
يا إخوة الإسلام، إن الإيمان ليس مجرد كلمة تقال، فالقرآن يقرن الإيمان بالعمل الصالح؛ لأن العمل الصالح يدل على صحة الإيمان، والعمل الصالح يصلح عامله ويصلح الأمة، ومن العمل الصالح: صدق الانتماء لهذا الدين ولهذه الأمة، وأمارة ذلك الجهاد في سبيل الله - عز وجل -، من أجل هذا الدين والصبر على الجهاد في سبيل الله، وطول طريق الجهاد، وإلا لو كان الأمر يأتي بالسهل لكان الإسلام وكانت الجنة أسهل ما يكون.
والجهاد يستدعي الصبر؛ لأن الصبر هو سبب النجاح في الجهاد وجالب الانتصار، وقد سئل علي بن أبي طالب عن الشجاعة فقال:"الشجاعة صبر ساعة".
وقال أحد الشعراء:
سقيناهم كأسًا سقونا بمثلها ... ولكنهم كانوا على الموت أصبرَ
وقد تسبب في هزيمة المسلمين يوم أحد، ضعف صبر الرماة وخفتهم إلى الغنيمة، والجهاد يتطلب صبر المغلوب على الغلب؛ حتى لا يهن ولا يستسلم.
إن مكاره الدنيا -رغم دناءتها- التي تصيب العبد في سبيل الله عند توطين النفس لها وتمرينها عليها ومعرفة ما تؤول إليه، تنقلب المحن عند أرباب البصائر منحًا يُسرون بها، ولا يبالون بها، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
إن الصبر مطية النجاح وقوام الحياة كلها، من أراد الدنيا لا بد أن يصبر، ومن أراد الآخرة لا بد أن يصبر، وشتان بين الدنيا والآخرة.
بل إن الكفار وهم على كفرهم يوصي بعضهم بعضًا بالصبر على الكفر! ربي - عز وجل - قال: وَإِنْ