فهرس الكتاب

الصفحة 20 من 82

الحلقة الثالثة:

النظر في سنن السابقين

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

أيها الإخوة الكرام، سنحاول اليوم -إن شاء الله- أن نواصل الآيات التي نزلت في أعقاب غزوة أحد كما أسلفنا سابقًا، والآيات التي سنتناولها اليوم -بإذن الله - عز وجل - يدور محورها حول سنة الابتلاء والتمحيص وتداول الأيام بين حزب الله - عز وجل - وحزب الكافرين.

قال الله - عز وجل: {قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ}

فيستمر القرآن العظيم في تقرير الحقائق الأساسية ويجعل الأحداث مجرد محور ترتكن إليه هذه الحقائق، فالمقصود إنما هو تثبيت الحقائق في نفوس المؤمنين.

قال الله - عز وجل: {قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ} والسنن: جمع سُنة -بضم السين-، وهي السيرة من العمل أو الخلق الذي يلازم صدور العمل على مثالها.

فهذه الآيات وما بعدها يعزي الله - عز وجل - بها عباده المؤمنين ويسليهم ويخبرهم أنه قد مضى في التاريخ قبلهم أجيال وأمم كثيرة، امتُحنوا، وابتُلي المؤمنون منهم بقتال الكافرين فلم يزالوا في مداولة ومصاولة، حتى جعل الله - عز وجل - العاقبة والنصر للمتقين.

فانتصار المشركين في هذه المعركة -أي معركة أُحد- ليس هو السنة الثابتة، ولا نهاية الصراع بين الحق والباطل، ولا انتصار الكافرين في هذه الموقعة دلالة على استقرار الدولة للكافرين، إنما هو حادث عابر وراءه حكمة خاصة، حكمة تمييز الصفوف، وتمحيص القلوب والنفوس، واتخاذ الشهداء، ووقوف المسلمين أمام الموت وجهًا لوجه وقد كانوا يتمنونه؛ ليزِنوا وعودهم وأمانيهم بميزان واقعي، ثم في النهاية محق الكافرين بإعداد جماعة المسلمين ذلك الإعداد المتين الذي يؤهلهم لتحمل الأمانة، فهي إذن الحكمة من الأحداث سواء كان النصر للمسلمين أم كانت لهم الهزيمة.

قال الله - عز وجل: {فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} أي: سيروا بأقدامكم وسيروا بأفهامكم، وانظروا وتأملوا وقيسوا بها عاقبة اللاحقين بهم في الهلاك والاستئصال، والأمر بالسير والنظر؛ لأن في مشاهدة آثار المتقدمين أثر في الاعتبار، والروعة أقوى من أثر السماع.

وفي الآية كذلك دلالة على أهمية علم التاريخ؛ لأن فيه فائدة السير في الأرض وهي معرفة أخبار الأوائل وأسباب صلاح الأمم وفسادها.

الأمور في حياة البشر -أيها الإخوة- لا تمضي جزافًا فالسنن التي تحكم الحياة جارية لا تتخلف، فإذا نحن درسناها وأدركنا مغازيها تكشفت لنا الحكمة من وراء الأحداث، واستشرفنا خط السير على ضوء ما كان فيما مضى في تاريخ الأمم، ولم نعتمد على مجرد أننا مسلمون من أجل أن لنا النصر والتمكين بدون الأخذ بأسباب النصر، وفي أول أسباب النصر طاعة الله وطاعة رسوله - صلى الله عليه وسلم -.

والسنن واحدة:

-عاقبة المكذبين على مدار التاريخ .. ومداولة الأيام بين الناس

-والابتلاء؛ لتمحيص النفوس والصفوف .. وامتحان قوة الصبر على الشدائد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت