فهرس الكتاب

الصفحة 68 من 82

الحلقة الخامسة عشر:

تسلية الرسول والمؤمنين

الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين وصلى الله وسلم على نبيه الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد:

إخواني في الله كنا قد ذكرنا خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى حمراء الأسد، يطارد قريشا، وذكرنا بعض الحكم وبعض الفوائد التربوية والعسكرية التي توخاها صلى الله عليه وآله وسلم من وراء هذه الحركة العسكرية، كما نوهنا بصنيع الصحابة رضي الله تعالى عنهم حين ما استجابوا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخروا رغم ما بهم من الجراح رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.

بعد هذا ينتقل القرآن الكريم إلى صفحة جديدة من صفحات التعقيب على أحداث أحد فيقول الله - عز وجل - لنبيه {وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} إلى آخر الآيات.

إن هذا الختام هو أنسب ختام لاستعراض الغزوة التي أصيب فيها المسلمون هذه الإصابة .. والتي رجع منها المشركون بالنصر والغلبة. . فهناك دائما تلك الشبهة الكاذبة التي تحيك في بعض الصدور أمام المعارك التي تنشب بين الحق والباطل. ثم يعود الحق بمثل هذه الإصابة. ويعود منها الباطل ذا صولة وجولة! لماذا يصاب الحق وينجو الباطل؟ ولماذا يبتلى أهل الحق وينجوا أهل الباطل؟ ولماذا لا ينتصر الحق كلما التقى مع الباطل. ويعود بالغلبة والغنيمة؟ أليس هو الحق الذي ينبغي أن ينتصر؟ وفي تكون للباطل هذه الصولة؟ وفيم يعود الباطل من صدامه مع الحق بهذه النتيجة. وفي كل هذا فتنة للقلوب الضعيفة وهزة عنيفة!

ولقد وقع بالفعل أن قال المسلمون يوم أحد في دهشة واستغراب:"أنى هذا!"

ففي هذا المقطع الختامي يجيء الجواب الأخير، والبيان الأخير، ويريح الله - عز وجل - القلوب المتعبة ويجلي كل خاطرة تتسلل إلى القلوب من هذه الناحية لواذا.

إن ذهاب الباطل ناجيا في معركة من المعارك وبقاءه منتفشا فترة من الزمان ليس معناه أن الله - عز وجل - تاركه أو أنه من القوة بحيث لا يغلب أو بحيث يضر الحق ضررا باقيا قاضيا. .

وأن ذهاب الحق مبتلى في معركة من المعارك وبقاءه ضعيف الحول فترة من الزمان ليس معناه أن الله مجافيه أو ناسيه! أو أنه متروك للباطل يقتله ويرديه. .

كلا. إنما هي حكمة وتدبير .. هنا وهناك .. يملي الله - عز وجل - للباطل ليمضي إلى نهاية الطريق، وليرتكب أبشع الآثام وليحمل أثقل الأوزار ولينال أشد العذاب باستحقاق! .. ويبتلي الله - عز وجل - الحق ليميز الخبيث من الطيب ويعظم الأجر لمن يمضي مع الابتلاء ويثبت .. فهو الكسب للحق والخسارة للباطل مضاعفا هذا وذاك! هنا وهناك!

لما كان من فوز المشركين في أحد، وما أصاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وصحابته من المؤمنين أظهر بعض المنافقين كفرهم، وقالوا: لو كان محمد نبيا ما قتل، وما سارع هؤلاء في إظهار ما يسرون من الكفر، وتثبيط المؤمنين عن نصر الإيمان إلا لظنهم أن المسلمين قد قضي عليهم، وقد كان هذا مما يحزن النبي - صلى الله عليه وسلم - فكان من تسلية التنزيل له في هذا السياق قول الله - عز وجل: {وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ} أي: لا تهتم ولا تبال بما يلوح منهم من آثار الكيد للإسلام ومضرة أهله .. إن القرآن يواسي النبي - صلى الله عليه وسلم - ويدفع عنه الحزن الذي يساور

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت