فأركسهم وردهم ليحرمهم ما خص به المؤمنون في ذلك اليوم، وما أعطاه من استشهد منهم، فثبط هؤلاء الظالمين عن الأسباب التي وفق لها أولياءه وحزبه". انتهى كلامه، وذاك فضل الله يؤتيه من يشاء."
وإما الآية بمعنى آخر، الظالمين أي: الكافرين المجاهرين بالكفر.
{وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا} والتمحيص: تنقية وتخليص من العيوب، أي: يمحص بذلك الابتلاء المؤمنين من ذنوبهم وعيوبهم، والشهادة والقتال في سبيل الله - عز وجل - تكفر الذنوب وتزيل العيوب.
وأيضًا تخلصهم وتنقيهم أي: تنقي صفوفهم من المنافقين فيتميزون منهم، فحصل لهم تمحيصان/ تمحيص من نفوسهم، وتمحيص في صفوفهم ممن كان يظهر أنه منهم وهو لهم عدو.
أيها الإخوة، إن الشدة بعد الرخاء، والرخاء بعد الشدة، هما اللذان يكشفان عن معادن النفوس وطبائع القلوب، ويكشفان درجة الغبش فيها والصفاء، والهلع فيها والصبر، والثقة فيها بالله أو القنوط، والاستسلام فيها لقدر الله أو التبرم، وكثيرًا ما يجهل الإنسان نفسه ومخابئها ومنحنياتها، وكثيرًا ما يجهل الإنسان حقيقة ضعفها وقوتها.
ومن الخير للمسلم أن يعلم هذا من نفسه؛ ليعاود المحاولة في سبكها من جديد على مستوى الضغوط التي تقتضيها طبيعة الدعوة وطبيعة التكاليف في طريق الله ورسوله.
عندئذ يتميز الصف ويتكشف عن مؤمنين ومنافقين ويظهر كل فريق على حقيقته، وتتكشف في دنيا الناس دخائل النفوس، ويزول عن الصف الدخْل والخلخلة التي تنشأ من قلة التناسق بين أعضائه وهم مختلطون ومبهمون! .. والله يعلم المؤمنين والمنافقين ولكن الأحداث ومداولة الأيام بين الناس تكشف المخبوء وتجعله واقعًا، تحوّل الإيمان إلى عمل ظاهر، وتحوّل النفاق كذلك إلى تصرف ظاهر، ومن ثم يتعلق الحساب والجزاء.
مداولة الأيام وتعاقب الشدة والرخاء محك لا يخطئ، وكم من نفوس تصبر للشدة وتتماسك ولكنها تتراخى بالرخاء وتنحل، والنفس المؤمنة هي التي تصبر للضراء ولا تستخفها السراء، وتتجه إلى الله - عز وجل - في حال النصر وفي حال الهزيمة، وتوقن أن ما أصابها من الخير والشر بإذن الله - عز وجل -.
لقد كان الله سبحانه وتعالى يربي المسلمين وهم في مطالع خطواتهم لقيادة البشر، يربيهم بالشدة بعد الابتلاء والرخاء، وبالهزيمة بعد النصر؛ ليتعلموا أسباب النصر والهزيمة، ومن أجل أن تزيد طاعة الله فيهم وتوكلهم على الله سبحانه، ولتعرف الجماعة تكاليف الدين والطريق معرفة اليقين.
{وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ} والمحق: هو الإهلاك. أي: ليهلكهم، فإنهم إذا ظفروا بغَوا وبطروا؛ فيكون ذلك سبب دمارهم وهلاكهم، إذ جرت سنة الله - عز وجل - أنه إذا أراد أن يهلك أعداءه ويمحقهم قيَّض لهم الأسباب التي يستوجبون بها هلاكهم ومحقهم، ومن أعظمها بعد كفرهم بغيهم وطغيانهم في أذى أوليائه ومحاربتهم وقتالهم والتسلط عليهم. والمحق: ذهاب الشيء بالكلية.
وفي هذا القدر كفاية وإلى أن نلتقي مع ما تبقى من آيات الله -تبارك وتعالى- نسأل الله سبحانه أن يرحمنا وأن يعفو عنا، وأن يجعلنا مفاتيح خير مغاليق شر هو القادر على ذلك، آمين.
سبحانك اللهم وبحمدك أشهد ألا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.