فـ: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} لئلا يغفل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيرى لنفسه تأثيرًا في بعض هذه الأمور، ليس لك من أمرهم شيء، كيفما كان، ما أنت إلا بشر مأمور بالإنذار، إن عليك إلا البلاغ، إنما أمرهم إلى الله - عز وجل -، وفي الاعتراض تخفيف من حزنه لكفرهم، وحرصه على هدايتهم.
{أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} فإن انتصار المسلمين قد يكون للكافرين عظة وعبرة، وقد يقودهم إلى الإيمان والتسليم.
{أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} يعذبهم بنصر المسلمين عليهم، أو بأسرهم، أو بموتهم على الكفر الذي ينتهي بهم إلى العذاب.
وفي الآية الكريمة تسلية لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه سبحانه أراد إظهار هذا الدين على مهل وتدريج بواسطة الدعوة وطريق الابتلاء والتكليف، وفيه طلب التفويض في الأمور الملمة لما في طيّها من الأسرار الإلهية.
كذلك في الآية تعريض بقول بعضهم: {هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ} وقولهم: {لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا} فليس لأحد من الأمر شيء لا في نصر ولا في هزيمة، وإنما المقصود والمطلوب الطاعة والوفاء والأداء هي المطلوبة من المسلمين، وأما الأمر بعد ذلك فكله لله، ينصر من يشاء ويهزم من يشاء.
فليبقَ المسلم معلقًا بربه وحده لا شريك له، وليبقَ مستمسكًا بشرعه في حال النصر وفي حال الهزيمة وإنما ترسخ هذه الحقائق التي نذكر مع الزمن، ومع الأحداث والتربية بالأحداث، ثم التعقيب والاستفادة من الأحداث.
ومن حكمة الجمع بين القصتين أن الله - عز وجل - يحب من عباده إذا أصابهم ما يكرهون أن يتذكروا ما أصابهم مما يحبون، فيخفّ عنهم البلاء ويشكروا الله على نعمه العظيمة التي إذا قوبلت بما ينالهم من المكروه الذي هو في الحقيقة خير لهم عظموا وقدروا نعمة الله - عز وجل - عليهم، وقد أشار تعالى إلى هذه الحكمة في قوله سبحانه: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا}
وكذلك في هذه، المقابلة بين ذكر أُحد وذكر بدر إيماء إلى ما يصلح بيانًا لحكمة الهزيمة اللاحقة بالمسلمين يوم أحد.
ثم قال الله - عز وجل: {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}
فقبل أن يبدأ القرآن في استعراض المعركة والتعقيب على وقائعها، ذكر توجيهات متعلقة بمعركة في أعماق النفس؛ لترد الإنسان إلى محور واحد، هو محور العبادة لله - عز وجل - والعبودية له سبحانه.
فذكر القرآن الكريم تحريم الربا ودعا إلى محاسن الأخلاق فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} إلى قول الله - عز وجل: {أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ}
فالإسلام يأخذ تربية النفس وينظم حياة الجماعة جملة متكاملة لا تفاريق ممزقة، ومن ثم هذا الجمع بين الإعداد والاستعداد للمعركة الحربية، وبين تطهير النفس وتزكيتها، والسيطرة على الأهواء والشهوات، فكلها قريب من قريب، وكلها لها ارتباطها بحياة الجماعة المسلمة، وبكل مقدوراتها في ميدان المعركة وفي سائر ميادين الحياة، وأثر هذا وذاك في نتائج المعارك التي تخوضها الأمة المسلمة معروفة.