وقبل بدء القرآن في التعقيب يذكرهم القرآن الكريم بمعركة بدر التي انتهت بالنصر؛ لتكون هذه أمام تلك، مجالًا للموازنة وتأمل الأسباب والنتائج، ومعرفة مواطن الضعف ومواطن القوة، وأسباب النصر وأسباب الهزيمة، ثم بعد ذلك ليكون اليقين من أن النصر والهزيمة كليهما قدر من أقدار الله - عز وجل - لحكمة تتحقق من وراء النصر كما تتحقق من وراء الهزيمة سواء بسواء، كذلك ليتعلموا أن مرد الأمر في النهاية إلى الله - عز وجل - في الحالين، أي في حال النصر وفي حال الهزيمة.
والنصر في بدر إنما تم بغير أداة من الأسباب المادية المألوفة للنصر، فلم تكن الكفتان فيها -في غزوة بدر- بين المؤمنين والمشركين متوازنة ولا قريبة من بعضها البعض، فالله - عز وجل - نصر المؤمنين في بدر لما صبروا ولما اتقوا، وهم أذلة، والمراد بكلمة"أذلة"أي: بعدم العدة وقلة العدد، وقيل أيضًا: لا مانع من أن يكون المراد {وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ} في أعين غيركم من المشركين وإن كنتم أعزة في أنفسكم، وإنما أدال الله - عز وجل - عليهم العدو يوم أحد لما صدر من بعضهم الإخلال بالتقوى ما صدر، ليعلموا أن النصر إنما هو من عند - عز وجل - لا بكثرة عَدد ولا عُدد.
إذن، فليتقوا الله سبحانه وليخافوه الذي يملك النصر ويملك الهزيمة، والذي يملك القوة وحده ويملك السلطان، فمرد الأمر إليه سبحانه وتعالى، والأسباب والوسائل والعَدد والعُدد ليست هي الفاعلة الحقيقية، وإنما هي أداة يحركها الله - عز وجل -، ويحقق بها ما يريد، فإن شاء سبحانه نصر من معه الأسباب كما هي سنته في خلقه، وإن شاء نصر المستضعفين الأذلين ليبين لعباده أن الأمر كله بيده، ومرجع الأمور إليه وحده سبحانه.
والنصر وقمع كيد الأعداء مشروط بالصبر وبالتقوى؛ لأن الله - عز وجل - قال: {وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا} ومن لم يروّض نفسه على التقوى غلب عليه اتباع الهوى، فلا يرجى له أن يكون شاكرًا يصرف النعمة إلى ما وُهبت لأجله من الحِكم والمنافع.
{وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ}
{الْعَزِيزِ} هو القوي ذو السلطان القادر على تحقيق النصر.
{الْحَكِيم} الذي يضع الأشياء مواضعها، فيضع النصر موضعه، والهزيمة موضعها ويهدي لأسباب النصر الظاهرة والباطنة من يشاء من عباده، ويصرف عنهما من يشاء من عباده، وله في كل ذلك الحكمة البالغة في إدالة الكفار في بعض الأوقات على المسلمين إدالة غير مستقرة.
ثم قال الله - عز وجل: {لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ} ليقطع طرفًا من الذين كفروا: فينقص من عددهم بالقتل، أو ينقص من أرضهم بالفتح، أو ينقص من سلطانهم بالقهر، أو ينقص من أموالهم بالغنيمة، أو ينقص من فاعليتهم في الأرض بالهزيمة.
{أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ} الكبت: هو الرد بعنف وتذليل، أي: يخزيهم ويذلهم، فيريد الكفار بقوتهم وكثرتهم هدفًا في المسلمين، ويردهم الله - عز وجل - خائبين لم ينالوا مقصودهم، بل يرجعون بخسارة وغم وحسرة.
وإذا تأملت -أخي الكريم- الواقع، رأيت نصر الله - عز وجل - لعباده المؤمنين دائر بين هذين الأمرين، غير خارج عنهما إما نصر عليهم أو خذل لهم، وفي الأخير الأمر لله - عز وجل - قدرًا وشرعًا.
ثم قال الله سبحانه يخاطب نبيه: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ}