وفي هذا المشهد، كان الله سبحانه وتعالى يسمع ما تقوله الألسنة ويعلم ما تهمس به الضمائر وما تكنه النفوس، وهكذا يكشف الله سبحانه وتعالى النفوس المخبوء في مكنونات النفوس والضمائر، وهذه الحقيقة التي تحرص التربية القرآنية على استحضارها وتقريرها وتأكيدها وتعميقها في نفس المسلم، حقيقة ينبغي أن تكون ماثلة في نفس المسلم وهو يتحدث وهو يعمل في هذه الحياة، هذه الحقيقة التي لا يستقيم ضمير على الدين بكل تكاليفه إلا إذا استقرت فيه هذه الحقيقة بكل قوتها.
ثم قال الله سبحانه وتعالى: {إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}
الأمر يتعلق ببني سلمة وبني حارثة فهاتان الطائفتان همتا بالفشل، وقول الله سبحانه وتعالى أن تضعفا وتجبنا حين انفصل رأس النفاق عبد الله بن أبي بثلث الجيش؛ لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يأخذ برأيه -هذا طبعًا على حسب ادعائه-.
فهذه الحركة أثرت في هاتين الطائفتين وما أحدثته هذه الحركة النفاقية من رجة في صف المسلمين لولا أن الله سبحانه وتعالى أدرك الطائفتين بولايته وتثبيته، فعصمهما الله سبحانه وتعالى من التولي ومضَيَا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
ثم قال الله سبحانه: {وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا} أي: ناصرهما ومتولي أمرهما، وذلك إنما لصدق إيمانهما؛ لذلك صرف الله - عز وجل - عنهم الفشل، وثبتهما، فلم يَجْبنا ولم يُجيبا داعي الضعف الذي ألمَّ بهما عند رجوع نحو ثلث العسكر، وعلى الله وحده دون غيره ودون من عداه وما عداه استقالا أو اشتركا {فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} أي: فليتوكلوا على الله - عز وجل - في جميع أمورهم فإنه حسبهم ونعم الوكيل.
ففي الآية إذن، الأمر بالتوكل الذي هو: اعتماد القلب على الله في جلب المنافع ودفع المضار مع الثقة الكاملة بالله سبحانه وتعالى، كذلك من الفائدة في الآية أنه بحسب إيمان العبد يكون توكله على الله سبحانه، وأن المؤمنين هم أولى الناس بالتوكل على الله - عز وجل - من غيرهم، فليس لهم إن كانوا مؤمنين إلا هذا السبب المتين وهو الله سبحانه وخصوصًا في مواطن الشدة والقتال، فإنهم مضطرون إلى التوكل على الله سبحانه والاستعانة بربهم والاستنصار به والتبرؤ من حولهم وقوتهم، فبذلك ينصرهم الله سبحانه ويدفع عنهم البلايا والمحن.
فالقرآن الكريم يذكر بهذه الحقيقة؛ ليعلم المسلمين ويتعلم أيضًا كل مسلم معية الله سبحانه وعلمه المحيط بالظواهر والبواطن، ثم ليعرِّف الله سبحانه وتعالى الصحابة كيف كانت النجاة، وإشعارهم عون الله وولايته حين يدركهم الضعف ويدب فيهم الفشل ويعرفوا أين يتوجهون حين يستشعرون شيئًا من الضعف والفشل، فالملجأ إلى الله سبحانه وتعالى فينبغي أن يدفع الإنسان ما يعرض له من مكروه وآفة بالتوكل على الله سبحانه وتعالى، وأن يصرف الجزع عن نفسه بذلك التوكل.
ثم قال الله - عز وجل: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}
في أحد، تغلبت الاعتبارات الشخصية على العقيدة عند المنافق عبد الله بن أبي، وكاد الضعف يدرك طائفتين صالحتين من المسلمين، ثم انتهت بالمخالفة عن الخطة العسكرية التي رسمها النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ طمعًا في الغنيمة ثم انتهت أيضًا، فلم تغنِ أمام هذه المخالفات -لم يغن- وجود الرسول النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولا وجود النماذج العالية التي تجلت في المعركة عن المصير الذي انتهت إليه بسبب ذلك الخلل في الصف وفي النفس، وبسبب ذلك الغبش في التصور.