والإدراك شيء آخر ، فأنت ترى السماء لكن هل تحيط برؤيتها كلها ؟ وأنت ترى الأرض لكن هل تحيط برؤيتها كلها؟ بالطبع:- لا فالسماء ترى ولا يحاط بها ، والأرض ترى ولا يحاط بها ، فالله تعالى يرى في الآخرة ولا يحاط به فقوله تعالى"لا تدركه الأبصار"إنما هو نفي للإدراك وليس نفيا للرؤية ، بل إن نفي الإدراك يتضمن إثبات الرؤية ، ولو تدبرت ذلك لرأيته صحيحا ، والمراد:- أن أهل البدع قدموا دلالة المتشابه على المحكم ، فوقعوا في رد الأدلة الصحيحة المتواترة القطعية ، وأما أهل السنة فإنهم قدموا المحكم على المحتمل ، فاتزن قولهم ، وصار وسطا بين طرفين وهدى بين ضلالتين ، ذلك لأن الصوفية الغلاة يعتقدون أن الله تعالى يرى في الدنيا رؤية حقيقية فضلا عن رؤيته في الآخرة ، بينما ذهب أهل البدع من المعتزلة والجهمية والأشاعرة ومن نحا نحوهم إلى أنه جل وعلا لا يرى لا في الدنيا ولا في الآخرة ، وأما أهل الحق فإنهم توسطوا بين المذهبين فقالوا:ــ إنه جل وعلا لا يرى في الدنيا ، وإنما يرى في الآخرة ، فالحق معهم ، ولا يخرج البتة عنهم ، ونحن نقول بما قالوا ، والله ربنا يتولانا وإياك لما فيه صلاح الدين والدنيا .