ومنها: اشترط كثير من الفقهاء لصحة الطواف أن يكون على طهارة من الحدث الأصغر واستدلوا على ذلك بما في الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - توضأ ثم طاف وبقوله (( افعلي ما يفعله الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري ) )وبحديث (( الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أباح الكلام فيه ) )وفي الحقيقة أن هذه الأحاديث لا تفيد الشرطية فأما حديث وضوئه قبل الطواف فإنه حكاية فعل والمتقرر في القواعد أن حكاية الأفعال لا تفيد الوجوب ولا يقال أنه مقرون بقوله (( خذوا عني مناسككم ) )لأن الوضوء في ذاته ليس من المناسك الخاصة بأحد النسكين ومن المعلوم أن من عادته - صلى الله عليه وسلم - استحباب بقائه دائمًا على طهارة ، ألا ترى أن الفقهاء قالوا بسنية التلبية مع أنه - صلى الله عليه وسلم - لبَّى وقال (( خذوا عني مناسككم ) )وقالوا: بسنية جمع الظهرين تقديمًا بعرفة وبسنية جمع العشائين تأخيرًا في المزدلفة مع أنه فعلها وقال (( خذوا عني مناسككم ) )وقالوا: بسنية ذكر الله تعالى عند المشعر الحرام مع أن الله تعالى قال { فَاذْكُرُواْ اللّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ } وفعله النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال (( خذوا عني مناسككم ) )فإذا قال الفقهاء بسنية ذلك مع أنها من جملة المناسك فكيف يقال في وضوئه قبل الطواف مع أن الوضوء في ذاته ليس من المناسك فقد كان - صلى الله عليه وسلم - يحب دائمًا أن يكون على طهارة ولذلك فإنه لما أفاض من عرفات وقف في الطريق وبال ثم توضأ مباشرة وقال (( الصلاة أمامك ) )ولم يؤخر الوضوء إلى الوصول للمزدلفة ذلك لأنه - صلى الله عليه وسلم - دائم الذكر وهو يكره أن يذكر الله إلا على طهر كامل تعظيمًا لربه جلا وعلا وفي الحديث (( إني كرهت أن أذكر الله إلا وأنا على طهارة ) )وقد اعتمر قبل ذلك ثلاث مرات ولم يثبت عنه أنه أمر الناس بالوضوء قبل الطواف فلو كان من الشروط المتحتمة التي يتعلق بها صحة الطواف لأمر به