منها: كفارة اليمين، فإنها عبادة لها سبب وجوب وشرط وجوب فسبب وجوبها عقد اليمين على مستقبل ممكن، فإذا عقد المكلف اليمين فقد انعقد سبب وجوب الكفارة، ولكن لا تجب الكفارة إلا إذا تحقق شرط وجوبها وهو مخالفة مقتضى بأن يترك ما حلف على فعله أو فعل ما حلف على تركه، وبناءً عليه فلا يجوز إخراج الكفارة قبل عقد اليمين الذي هو سبب وجوبها ويجب إخراج الكفارة على الفور بعد الحنث الذي هو شرط وجوبها وهاتان المسألتان لم يختلف فيهما العلماء فيما أعلم، ولكن ما حكم إخراج الكفارة بعد عقد اليمين وقبل الحنث؟ هذا هو الذي اختلف أهل العلم فيه ولكن الراجح هو الجواز، ودليل الجواز أثري ونظري، فأما الأثري فقد أخرج أصحاب الصحيح عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال »إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرًا منها إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير « فتكفيره - صلى الله عليه وسلم - هنا حصل بعد عقد اليمين أي بعد سبب الوجوب لأنه قال » لا أحلف على يمين« أي أنه قد عقد اليمين، وقد حصل هذا التكفير قبل مخالفة اليمين أي قبل شرط الوجوب لأنه قال (كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير) فهذا الإتيان حصل بعد الكفارة، فدل ذلك على أنه أخرج الكفارة بعد عقد اليمين وقبل مخالفة مقتضاها، والدليل نص في ذلك ولا عبرة بقول أحد كائنًا من كان مع قول المعصوم - صلى الله عليه وسلم - ، وأما الدليل النظري فلأن المتقرر في القاعدة معنا أن العبادة يجوز فعلها بعد سبب وجوبها وقبل شرط الوجوب، فانظر كيف اتفاق الدليلين، الأثري والنظري ولذلك فإن هذا الدليل من جملة ما يستدل به على صحة هذه القاعدة فهو وإن كان في اليمين خاصة، إلا أن الشريعة لا تفرق بين المتماثلات فلما جاز ذلك في اليمين لأن لها سبب وجوب وشرط وجوب قسنا عليها جميع العبادات التي لها سبب وجوب وشرط وجوب لأن العلة واحدة وإذا اتفقت العلل اتفقت الأحكام، والمهم أن تعرف أن الراجح في هذا الفرع