مُسْتَقِيمٍ (30) يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ وهذه الآية تدل على تكليف الجن من عدة وجوه:-
أحدها: أن الله تعالى هو الذي صرفهم إلى نبيه عليه الصلاة والسلام لاستماع القرآن وحكمة ذلك وغايته أن يؤمنوا به ويأتمروا بأوامره وينتهوا عن نواهيه.
ثانيها: أنهم لما استمعوا تواصوا بالإنصات له وبعد سماعه اعترفوا بأنه يهدي إلى الحق وإلى صراط مستقيم وأنه متوافق لما جاء به موسى - عليه السلام - من قبل وهنا يدل على أن عندهم آلات الفهم والعقل وأنهم قادرون على امتثال ما فيه من العلم النافع والعمل الصالح وهي شروط التكليف، فإن من كان قادرًا على العلم والفهم فإنه مكلف.
ثالثها: أنهم بعد سماعهم للقرآن وإيمانهم به أسرعوا إلى قومهم منذرين يقولون لهم {يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ} وهذا نص صريح في أنهم مكلفون بالإيمان بهذا القرآن ومن المعلوم أن الإيمان به يتضمن امتثال أوامره واجتناب نواهيه وتصديق أخباره، وإيمانهم بالقرآن مستلزم للإيمان بالنبي عليه الصلاة والسلام فأي دليل أصرح من هذا الدليل ولكن سبحان من أعمى قلوب بعض الطوائف عن هذا النور الذي يبهر العيون وينير الصدور والله أعلم.
ومن الأدلة أيضًا: قوله تعالى {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (1) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (2) وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلا وَلَدًا ... الآية} إلى قوله تعالى {وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا} وهذه الآية دليل على تكليف الجن من عدة وجوه:-
أحدها: أن إخبار الله تعالى نبيه عليه الصلاة والسلام بهذا الاستماع فيه التصريح بأن هؤلاء النفر قد آمنوا وقرّ الإيمان في قلوبهم وهذا فيه دليل أنهم